تكتسي جبال “تيزيران” و”تلاسمطان” بإقليم شفشاون، مع كل فصل شتاء، حلة بيضاء تضاهي في سحرها أرقى المحطات العالمية، ورغم هذا الجمال، تظل هذه القمم “خارج التغطية” في الأجندة السياحية للمغاربة، الذين يفضلون شد الرحال نحو إفران وأوكايمدن، تاركين لؤلؤة الشمال تواجه صقيع الإهمال وحدها.
وفي هذا السياق، فإن أولى عقبات هذا العزوف السياحي تكمن في “الولوجية”؛ فبينما تُفتح المسالك نحو “ميشليفن” بسلاسة البرق، تظل الطرق المؤدية إلى قمم شفشاون والريف رهينة منعرجات ضيقة ووعرة، سرعان ما تتحول مع أولى الثلوج إلى فخاخ محاصرة، فغياب كاسحات الثلوج المرابطة وضعف البنية التحتية الطرقية يحولان الرغبة في الاستمتاع بالثلج إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، يخشاها الأب وتتحاشاها العائلات.
وبالمقارنة مع “إفران” أو “أوكايمدن”، نجد غيابا تاما لمفهوم “المحطة السياحية الشتوية” في مناطق الريف؛ فلا وجود لمرافق تؤوي السائح، ولا مطاعم مهيأة لاستقبال الحشود، ولا محلات لكراء معدات التزلج، وهذا النقص الحاد في الخدمات الأساسية يجعل من زيارة تيزيران رحلة قصيرة الأمد، يغادرها الزائر سريعا بحثا عن الدفء والخدمات التي لا يجدها في عين المكان.
وتعاني المنطقة من “فوارق الترويج”؛ إذ نجحت السياسات السياحية المتعاقبة في ترسيخ “إفران” كوجهة شتوية وحيدة في المخيال الجمعي المغربي، بينما ظلت جبال شفشاون والريف تُسوق فقط كوجهات للصيف أو السياحة البيئية العابرة، وهذا التقصير الإعلامي والترويجي ساهم في تغييب هذه المناطق عن خريطة “العطل الشتوية”، رغم أنها تمتلك مقومات تضاهي، بل وتفوق، نظيراتها في الأطلس.
كما يلعب الجانب الاستثماري دورا معرقلا؛ فالمستثمر يبحث عن بيئة حاضنة، وفي ظل غياب التسهيلات الحكومية لإنشاء مآوٍ جبلية (Eco-lodges) بمعايير دولية ونظم تدفئة حديثة، يظل العرض السكني بالريف متواضعا وقرويا بسيطا لا يلبي تطلعات الطبقة المتوسطة المغربية التي تبحث عن الراحة والرفاهية وسط الثلوج.
والتهميش الذي طال هذه المناطق ليس تهميشا طبيعيا، بل هو تهميش تدبيري بامتياز، فالمواطن الجبلي في باب برد ومناطق الثلوج بالإقليم، يرى الثلوج “نقمة” تعزله عن العالم وتغلق مسالكه، بدلا من أن يراها “نعمة” تنعش اقتصاده المحلي، فغياب رؤية مندمجة تربط بين فك العزلة وبين التنشيط السياحي هو ما يجعل هذه الثروة البيضاء تذوب دون أن تترك أثرا في جيوب الساكنة.
وحسب تصريحات استقتها منصة شاوني من مواطنين، فـ”الرهان اليوم يتطلب إرادة سياسية حقيقية لرد الاعتبار لهذه المناطق؛ تبدأ بتهيئة الطرق وتوسيعها، وتوفير مواقف كافية للسيارات، وتشجيع الشباب المحلي على خلق تعاونيات سياحية متخصصة في الرياضات الشتوية والمرافقة الجبلية، فـ”تيزيران” لا تحتاج لوعود شفهية، بل لآليات ميدانية وكاسحات ثلوج تجعل من الوصول للقمة حقا متاحا للجميع وليس حكرا على المغامرين”

