كشفت دراسة محلية حديثة أجريت بمدينة مراكش عن معطيات مثيرة تتعلق بتأثير استهلاك “القنب” على الوظيفة البصرية للمستخدمين. الدراسة التي احتضنتها مجلة «Psychoactives» العلمية في عددها الصادر بناير 2026، استهدفت تشخيص التغيرات الفيزيولوجية لدى عينة من 95 مستهلكاً، مؤكدة أن “السيجارة المحشوة” لا تؤثر فقط على الحالة الذهنية، بل تمتد تداعياتها لتطال أدق معايير الإبصار.
وسجلت الدراسة مفارقة لافتة في “الإدراك الذاتي” لدى المشاركين؛ فبينما أكد أكثر من 70% منهم عدم شعورهم بأي تشوش في الرؤية البعيدة أو القريبة، أثبتت الفحوصات السريرية باستخدام أجهزة قياس الانكسار الرقمية وجود اختلالات دقيقة في وظائف العين، لاسيما ما يعرف بـ”الانحراف البصري” (Phoria)، هذا التباين يعكس خطورة تهاون المستهلكين بالآثار الجانبية، حيث يتوهم المستخدم سلامة بصره بينما يعاني جهاز الإبصار من إجهاد غير مرئي وتغيرات في التوازن العضلي للعين.
أما على صعيد الأعراض الحسية، فقد أجمع ثلثا المشاركين (66.3%) على معاناتهم من “حساسية مفرطة تجاه ضوء النهار” بعد التعاطي، وهو ما يفسر السلوكيات الشائعة للمستهلكين في تجنب الإضاءة القوية، كما وثقت الدراسة انتشارا واسعا للأعراض العينية المباشرة، حيث سجلت حالات احمرار العين بنسبة 75.8% وتدلي الجفون بنسبة 67.4%، وهي مؤشرات بيولوجية تؤكد التأثير المباشر لمركبات القنب على الأوعية الدموية والأعصاب المتحكمة في عضلة العين.
وفي نقطة أثارت جدلا علميا واسعا، أبلغت نسبة 33.7% من العينة عن شعور بـ”تحسن” في الرؤية الليلية بعد استهلاك الحشيش. ورغم أن هذه النتيجة قد تبدو إيجابية، إلا أن الباحثين يفسرونها بحذر شديد، مرجحين أنها ناتجة عن تغيرات في “عتبة الإدراك الضوئي” في الشبكية وليس تحسنا حقيقيا في حدة البصر، وهي ظاهرة نادرة تتطلب أبحاثا مخبرية أعمق لفهم كيف يخدع القنب الدماغ ليعتقد أنه يرى بشكل أفضل في الظلام.
وكشفت النتائج أيضاً عن واقع سوسيو-صحي معقد؛ إذ تبين أن 66.5% من العينة يمارسون “الإدمان المتعدد”، بخلط القنب مع التبغ أو مواد أخرى، مما يضاعف من الضغط على المنظومة العصبية والحسية، كما رصدت الدراسة بدء التعاطي في سن مبكرة (17.5 سنة في المتوسط)، مع وجود تاريخ عائلي للإدمان لدى نحو 59% من المشاركين، مما يجعل من أضرار البصر جزءاً من فاتورة صحية باهظة يدفعها المراهقون والشباب في صمت.
واختتمت الدراسة بتوصيات ملحة لخبراء الصحة العامة في المغرب، مشددة على ضرورة كسر العزلة بين الطب النفسي وطب العيون. فإحصائية صادمة كشفت أن نصف المشاركين لم يسبق لهم زيارة طبيب العيون طيلة حياتهم رغم معاناتهم من عيوب انكسارية كـ”الاستجماتيزم”. إن دمج الفحص البصري الدوري ضمن بروتوكولات مراكز علاج الإدمان بات ضرورة لا غنى عنها لضمان رعاية شاملة تمنع تحول هذه “الأضرار الصامتة” إلى إعاقات بصرية دائمة.

