تعد تضاريس إقليم شفشاون الوعرة اليوم مسرحا لواحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي عرفتها المنطقة، حيث تجاوزت المسألة حدود التساقطات المطرية لتتحول إلى انهيارات جبلية متتالية، جرفت معها معالم الاستقرار وحولت قرى بأكملها إلى أطلال مهجورة، وهذا الواقع الميداني الذي فرض على آلاف السكان الرحيل القسري بحثا عن الأمان، يضع الترسانة القانونية المغربية، وتحديدا منظومة التعويض عن الوقائع الكارثية، أمام محك حقيقي لقياس مدى نجاعة “العدالة المجالية” في أقصى هوامش المملكة.
وفي هذا السياق، المشرع المغربي أرسى دعائم القانون رقم 110.14، سعى من خلاله إلى خلق شبكة أمان اجتماعية تقي المواطن تبعات الفواجع الطبيعية، وقد جاء المرسوم رقم 2.24.1123 الصادر في شتنبر 2025 ليعزز الملاءة المالية لهذه المنظومة عبر رفع “رسم التضامن ضد الوقائع الكارثية” إلى 1,5%، هذه الخطوة التشريعية تعني نظريا توفر الموارد اللازمة لجبر ضرر المنكوبين في جبال شفشاون، الذين يواجهون فقدان مساكنهم الرئيسية وتحولها إلى ركام غير قابل للسكن، وهو ما يضع الحكومة تحت مجهر المسؤولية الأخلاقية والقانونية لتفعيل هذه المقتضيات دون إبطاء.
وتكمن العقدة القانونية اليوم في اشتراط صدور مرسوم حكومي يعلن الإقليم “منطقة منكوبة”، وهو الإجراء الذي يمثل المفتاح الوحيد لولوج موارد “صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية”، إذ أن الطبيعة التقنية لعمل الصندوق تفرض استقلالا ماليا يهدف أساسا إلى تعويض الضحايا الذين يفتقرون لأي تغطية تأمينية، وهم الأغلبية الساحقة في مداشر شفشاون المتضررة، حيث تشمل التعويضات الأضرار البدنية المباشرة وفقدان المسكن الرئيسي، مما يجعل من التأخر في إصدار هذا المرسوم عائقا أمام تدفق المساعدات المالية التي كفلها الدستور استنادا إلى مبدأ التضامن الوطني.
ومآسي العزلة التي فرضتها الانهيارات الأرضية في الإقليم، لم تكتفِ بقطع الطرق بل قطعت أوصال الحياة اليومية، مما يستوجب قراءة متأنية في “دليل نظام الإعانات” الصادر عن هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، الذي يحدد بدقة الفئات المؤهلة للاستفادة، فالمتضررون في شفشاون اليوم يقعون في قلب هذه الفئات، بصفتهم ضحايا فقدوا ممتلكاتهم الأساسية في ظل غياب أي تغطية تأمينية خاصة، وهو ما يحتم على السلطات المختصة الموازنة بين صرامة المساطر الإدارية وبين استعجالية الوضع الإنساني على الأرض.
ويبرز صندوق التضامن كآلية سيادية ليس فقط لتقديم الإعانات، بل لإعادة الثقة في المؤسسات القانونية وقدرتها على التدخل في الأوقات الصعبة، فالتمويل الذي يتم ضخه من جيوب المواطنين عبر أقساط التأمين بنسبة 1,5%، وجد ليعود إلى المتضررين في لحظات الانكسار، إن تفعيل هذا الحق يتجاوز مجرد العمل الإحساني ليكون تنفيذا لالتزام تعاقدي بين الدولة والمواطن، يضمن له الحق في التعويض عن الكوارث وفق معايير دقيقة تحمي كرامة سكان الجبال الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت.

