تعيش الأوساط المهتمة بالتراث بمدينة شفشاون على وقع استياء متصاعد، عقب إقدام الجهات المعنية على طلاء معالم أثرية وعناصر دفاعية باللون الأزرق، في خطوة اعتبرها مثقفون وناشطون “تزييفا للتاريخ” ومساسا بالأصالة العمرانية التي تميز “الجوهرة الزرقاء”.
وعبر فاعلون محليون، عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن استنكارهم للتوسع المستمر لاستخدام الصباغة الزرقاء لتشمل تحصينات تاريخية وأسوارا عتيقة، مؤكدين أن هذا الاستعمال يتجاوز النمط المألوف الذي كان يقتصر تاريخياً على واجهات المنازل وأرضيات الأزقة، بينما كانت العناصر الدفاعية تحافظ على ألوان مواد بنائها الطبيعية.
ويرى المنتقدون أن الإفراط في تعميم اللون الأزرق خلال العقدين الأخيرين، رغم مساهمته في الشهرة السياحية العالمية للمدينة، بدأ يشكل تهديدا للهوية البصرية التاريخية لشفشاون، التي كانت تعتمد أساسا اللون الأبيض والنمط الأندلسي الأصيل، مع تخصيص ألوان محددة للأبواب والنوافذ والزوايا.
خرق لـ “الميثاق المعماري”
وتستند هذه الانتقادات إلى المقتضيات القانونية والتقنية الواردة في “الميثاق المعماري” الخاص بالمدينة العتيقة لشفشاون، والمُعد منذ سنة 2006، وينص هذا الإطار المرجعي بوضوح على ضرورة الحفاظ على الألوان الطبيعية لمواد البناء الأصلية كالحجر والآجر، مع إمكانية استعمال الأزرق الفاتح في حالات محدودة دون أن يتحول إلى لون سائد يغطي المعالم المصنفة.
ويشمل المجال الحضري الذي طالته أشغال الطلاء معالم تاريخية مدرجة في عداد التراث الوطني المغربي، وفي مقدمتها “القصبة” (المصنفة سنة 1997) و”المسجد الأعظم” (المصنف سنة 2000)، مما يضاعف من مخاوف المهتمين بشأن تأثير هذه التدخلات على “أصالة” المواقع الأثرية.
ورغم الإشادة بالمجهودات المبذولة لتثمين التراث المادي للمدينة، يطالب الغيورون على الشأن المحلي بضرورة التدخل العاجل لمراجعة هذه التدخلات المعمارية، وتفعيل لجان التتبع والمراقبة لضمان احترام الخصائص العمرانية الفريدة لشفشاون، تفادياً لأي تشويه قد يطال ذاكرة المدينة التاريخية وهويتها التي تمتد لقرون.
تضع قضية “تزريق” المعالم التاريخية في شفشاون صُنّاع القرار والفاعلين المحليين أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة، هناك الضرورة السياحية والتسويقية التي جعلت من الزرقة “العلامة التجارية” (Branding) الأقوى للمدينة عالمياً، ومن جهة أخرى، هناك الأمانة التاريخية التي تفرض الحفاظ على الهوية المعمارية الأصيلة.
ماذا يقول المهتمون؟
يعتبر أبناء المدينه أنه لا يمكن إنكار أن اللون الأزرق هو المحرك الأول لعجلة السياحة في شفشاون. فالمدينة اليوم لا تُباع للسياح باعتبارها “حصناً أندلسياً” فحسب، بل باعتبارها “المدينة الزرقاء”، والصور التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد على كثافة اللون وتجانسه، وهو ما يدفع السلطات أحياناً للذهاب بعيداً في الطلاء للحفاظ على هذا المشهد “المثالي” الذي يتوقعه السائح، بالإضافة إلى الانتعاش السياحي المرتبط باللون الأزرق وفر فرص شغل وساهم في ترميم العديد من الدور وتحويلها إلى دور ضيافة ومشاريع سياحية.
وحول الخطورة، يؤكد المنتقدون أنها تكمن في أن يتحول “الترميم” إلى “تزييف”. عندما يتم طلاء الأسوار الدفاعية والقصبة باللون الأزرق، نحن هنا نغير لغة التاريخ، فالأسوار والحصون بُنيت قديماً لتكون متينة، ولونها الحجري أو “الترابي” هو جزء من قيمتها الأثرية ووظيفتها الدفاعية. طلاؤها يجعلها تبدو كأنها “ديكور سينمائي” حديث بدلاً من معالم صمدت لقرون، كما أن شفشاون في الأصل هي أخت تطوان وطنجة والعرائش؛ مدن “بيضاء” بلمسات زرقاء أو خضراء خفيفة، وطمس هذا الأصل يعني عزل شفشاون عن سياقها التاريخي والجغرافي وتحويلها إلى جزيرة لونية بلا جذور.

