شاوني – المفضل العمري
لم يكن إقليم شفشاون، إلى عهد قريب، مجرد رقعة جغرافية عابرة على خارطة الوطن، بل كان صورة حية لمجتمع ما تزال فيه القيم قائمة، وما يزال فيه للعلم وزنه، وللقرآن حضوره، وللتفوق الدراسي بريقه، وللاحترام معناه العميق في السلوك اليومي للأفراد والأسر، كان هذا الإقليم يفاخر بأبنائه وبناته حين يفاخر غيره بالمظاهر، ويعتز بما راكمه من رصيد أخلاقي وتربوي وإنساني جعل اسمه مقترنا في أذهان الناس بالسكينة والوقار ونظافة المجتمع وتماسكه، غير أن هذا الوجه المشرق بات اليوم يواجه خطرا داهما، بعدما تسللت إليه آفة المخدرات الصلبة، لا بوصفها انحرافا عابرا يمكن احتواؤه بخطاب موسمي، بل بوصفها وباء دخيلا يضرب القلب والعقل معًا، ويهدد الإنسان والأسرة والمجال الاجتماعي في العمق.
ولم يعد الأمر مجرد وقائع متفرقة أو حالات معزولة يمكن التقليل من شأنها، بل أصبح، في نظر كل متابع منصف، مؤشرا مقلقا على اختراق خطير يراد به تسميم الإقليم من الداخل. فالمخدرات الصلبة لا تدخل مكانا إلا وتدخل معها مقدمات الانهيار: اضطراب الشباب، تآكل الروابط الأسرية، تنامي الشعور بالخوف، اتساع دوائر الانحراف، وتحوّل بعض الأحياء والمجالات الهشة إلى بيئات قابلة للاحتراق الاجتماعي. وهذه الآفة لا تستهدف الجسد فقط، بل تفتك بالإرادة، وتخرب الوعي، وتطحن المستقبل، وتحوّل من كان مشروع علم أو عمل أو استقامة إلى ضحية ضياع وانكسار واستنزاف متواصل.
والأخطر أن ما يُتداول داخل الإقليم، في أكثر من منطقة، لم يعد يتحدث عن نشاط سري بالغ الخفاء، بل عن أسماء وأشخاص يعرفهم الناس ويشار إليهم في الأحاديث اليومية بوصفهم مرتبطين بالترويج أو البيع أو الاتجار، سواء بالتقسيط أو على نطاق أوسع، ومن ثم، فإن الصورة التي ترتسم في الوعي الجماعي ليست صورة خطر مجهول المصدر، بل صورة آفة بدأت تجد لها موطئ قدم معلوما في محيط الناس، وهو ما يزيد الشعور العام بالقلق، ويضاعف الإحساس بأن المسألة تجاوزت حدود الانحراف الفردي إلى شبهة ظاهرة منظمة تستوجب التعامل معها باليقظة والصرامة والسرعة اللازمة. ذلك أن المجتمع حين يصبح قادرًا على تحديد مواطن الخطر والإشارة إليها، فإن الواجب القانوني والمؤسساتي يقتضي تفعيل أدوات البحث والتحري والتثبت، لا ترك المجال للسم أن يتمدد وللخوف أن يتسع.
ومن هذا المنطلق، فإن الثقة تبقى كاملة في الأجهزة الأمنية والسلطات المختصة، كلٌّ في حدود اختصاصه القانوني، لكي تضطلع بما يتيحه لها القانون من أبحاث وتحريات وتدخلات وإجراءات لازمة من أجل الحد من هذه الظاهرة، وتجفيف منابعها، وقطع سلاسل الامتداد المرتبطة بها، وصون النظام العام وحماية المجتمع من هذا الخطر الداهم، فالمعركة هنا ليست ضد أشخاص فحسب، بل ضد مسار تخريبي يهدد الإقليم في شبابه وأمنه وتوازنه الأخلاقي، غير أن المقاربة الرصينة لا يمكن أن تقف عند حدود الردع وحده، على ضرورته القصوى، لأن من بين من سقطوا في قبضة هذه الآفة من صاروا في حكم المرضى والضحايا قبل أن يكونوا مجرد أطراف في سلوك منحرف. ولذلك فإن المواجهة الحقيقية تقتضي، إلى جانب الحزم مع المروجين والمتاجرين، فتح باب العلاج والتكفل والمواكبة النفسية والاجتماعية، وإنقاذ من يمكن إنقاذه قبل أن يبتلعه هذا المستنقع نهائيا.
وإقليم شفشاون اليوم ليست في حاجة إلى لغة رمادية، ولا إلى تطمينات شكلية، بل إلى مصارحة قوية ومسؤولة؛ هناك خطر حقيقي يطرق أبواب الإقليم، وهناك سموم دخيلة تهدد شبابه وأسره، وهناك واجب جماعي وأمني ومؤسساتي وأخلاقي يفرض أن تسمى الأشياء بأسمائها، فإدخال المخدرات الصلبة إلى هذا الإقليم ليس مجرد واقعة عابرة، بل عدوان على مستقبله، وطعنة في رصيده القيمي، وتهديد مباشر لسلمه الاجتماعي. وإذا كان شفشاون قد عرف طويلًا بعلمه وقرآنه وتفوق أبنائه واحترامهم، فإن الوفاء لهذه الصورة المشرقة يقتضي اليوم أن ترتفع الأصوات جميعًا دفاعًا عنه، وأن تتحرك المؤسسات بما يلزم، وأن يلتف المجتمع حول معركة الحماية والوقاية والعلاج والردع، قبل أن يتحول هذا الخطر إلى مأساة عامة يصعب تدارك آثارها.

