السيدة الحرة.. حين خرجت من جبال شفشاون إلى صناعة التاريخ
امرأة من القرن السادس عشر، جمعت بين الحكم والدبلوماسية والجهاد البحري، وتركت اسماً استثنائياً في تاريخ شمال المغرب.

من هي السيدة الحرة؟
السيدة الحرة، المعروفة أيضاً بـ«الست الحرة»، شخصية مغربية بارزة من القرن السادس عشر، ارتبط اسمها بمدينة شفشاون وتاريخ تطوان. وتورد مصادر مغربية أن اسمها كان عائشة بنت علي بن موسى بن راشد العلمي، وأنها وُلدت في شفشاون حوالي سنة 1493م / 899هـ، في أسرة ذات مكانة سياسية وعلمية. كما أن تاريخ ميلادها ليس محل اتفاق كامل بين المؤرخين، إذ تذكر روايات أخرى سنوات مختلفة في أواخر القرن الخامس عشر.
كان والدها الأمير علي بن موسى بن راشد من مؤسسي شفشاون، ونشأت السيدة الحرة في بيئة سياسية وعلمية، وتلقت تعليماً على يد علماء ورجال دين، وهو ما ساعدها لاحقاً على اكتساب معرفة مكنتها من ممارسة الحكم والتفاوض وإدارة العلاقات مع القوى المحيطة.

من شفشاون إلى تطوان
ارتبط صعود السيدة الحرة السياسي بتطوان، المدينة التي كانت في ذلك العصر مركزاً مهماً في شمال المغرب. وتختلف المصادر في تفاصيل السنوات الأولى لحكمها، لكن المصادر التاريخية المغربية والأجنبية تتفق على أنها أصبحت صاحبة نفوذ قوي في تطوان خلال النصف الأول من القرن السادس عشر، وأنها واصلت ممارسة السلطة حتى سنة 1542م.
زواجها من حاكم تطوان المنظري وضعها في قلب الحياة السياسية للمدينة، وبعد وفاة زوجها أصبحت صاحبة قرار ونفوذ. ولم يكن دورها بروتوكولياً، بل ارتبط بتدبير شؤون المدينة وعلاقاتها الخارجية ومواجهة التوسع البرتغالي والإسباني في سواحل شمال المغرب.
السيدة الحرة والبحر الأبيض المتوسط
اشتهرت السيدة الحرة أيضاً بنشاط بحري ارتبط بالصراع مع القوى الإيبيرية في البحر المتوسط. وتذكر مصادر تاريخية أنها نسقت مع القائد العثماني خير الدين بارباروسا، بحيث أصبح لكل طرف مجال نفوذ بحري في غرب وشرق المتوسط. وفي سياق ذلك العصر، كان البحر مجالاً للحرب والتجارة والأسر والفداء، وكانت موانئ شمال المغرب جزءاً من صراع إقليمي واسع.
حوالي 1493 — ولادتها في شفشاون وفق رواية مغربية.
بداية القرن 16 — انتقالها إلى دائرة الحكم في تطوان.
1515/1519 — بداية الفترة التي تُنسب إليها فيها الولاية على تطوان، بحسب اختلاف المصادر.
1541 — زواجها من السلطان الوطاسي أحمد بن محمد، وفق المصادر التي تؤرخ لذلك.
1542 — نهاية حكمها في تطوان بعد إقصائها عن السلطة.
بعد 1542 — عودتها إلى شفشاون وابتعادها عن الحكم، مع استمرار اختلاف المصادر حول سنة وفاتها.
لماذا بقي اسمها مرتبطاً بشفشاون؟
لأن شفشاون لم تكن مجرد مكان ولادتها، بل كانت البيئة التي صنعت شخصيتها الأولى. فيها نشأت داخل أسرة مرتبطة بتأسيس المدينة، وفيها تلقت تعليمها وتكوّن وعيها السياسي. ولهذا تحولت سيرتها إلى جزء من الذاكرة التاريخية للمدينة، وإلى واحدة من الشخصيات التي تمنح شفشاون بعداً يتجاوز صورتها السياحية المعروفة اليوم.
إن قصة السيدة الحرة تذكّر بأن تاريخ شفشاون لم يكن تاريخ مدينة جبلية هادئة فقط، بل كان أيضاً تاريخاً للجوء الأندلسي، وبناء السلطة، والتجارة، والعلاقات مع تطوان والموانئ المتوسطية، وصراع القوى على شمال المغرب.
السيدة الحرة واحدة من أبرز النساء في تاريخ المغرب الحديث المبكر. وبينما تختلف الروايات في بعض تفاصيل ميلادها وحكمها ووفاتها، يبقى الثابت في صورتها التاريخية أنها خرجت من بيئة شفشاونية سياسية وعلمية، ثم أصبحت حاكمة ذات نفوذ في تطوان، وفاعلاً مؤثراً في الصراع البحري والسياسي في غرب المتوسط خلال القرن السادس عشر.
مراجع للاستئناس: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية – «دعوة الحق»؛ الجزيرة نت – ملفات تاريخية حول السيدة الحرة؛ دراسات تاريخية حديثة حول السيدة الحرة وشمال المغرب. بعض التواريخ محل اختلاف بين المصادر، لذلك جرى اعتماد صياغة «حوالي» عند الحاجة.

