في دواوير الجبهة وباب برد، لا يشبه انتظار الماء أي انتظار آخر، هنا حيث العطش قد يطول لساعات وأحيانا لأيام، كانت الوعود بتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب بمثابة حلم جماعي، تحوّل إلى مشروع ضخم حمل معه آمالا كبيرة.. لكنه أيضا حمل خيبات أكبر.
المشروع، الذي يمتد ليشمل جماعات بني سلمان، بني صلاح، باب برد، بني أرزين، وأونان، بميزانية إجمالية تصل إلى 350 مليون درهم، كان من المفترض أن يغير وجه المنطقة، عبر تزويد 101 دوار انطلاقا من الفرشة المائية لبو أحمد، لكن سرعان ما بدأت الأسئلة تتوالى؛ لماذا تأخرت الأشغال؟ ولماذا لم تصل المياه بعد إلى كل الدواوير المستهدفة؟
في المرحلة الأولى، رُصدت استثمارات كبيرة لتغطية 63 دوارا بمحور باب برد، المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب ضخ حوالي 287 مليون درهم عبر قرض من البنك الألماني للتنمية (KfW)، فيما ساهم مجلس جهة طنجة–تطوان–الحسيمة بـ18 مليون درهم، والتكلفة النهائية للمشروع بلغت 305 ملايين درهم، لكن رغم هذا الزخم المالي، ظلت الشبكة مجرد أنابيب تنتظر التشغيل.
وبخصوص المرحلة الثانية، فقد جاءت ضمن برنامج أوسع يشمل 101 دوارا، مدمجا في اتفاقية كبرى تهدف لتغطية 413 دوارا بالجهة، بغلاف مالي قدره 825 مليون درهم، والمساهمون تقاسموا الكعكة؛ المكتب الوطني بـ475 مليون، مجلس الجهة بـ263 مليون، ووزارة الداخلية بـ87 مليون، وعلى الورق، كل شيء بدا محكما، لكن على الأرض، شيء آخر تماما.
من جهتها، الأشغال لم تسر كما خُطط لها، فصيف 2024 كان موعد الانطلاقة التدريجية للخدمة، لكن بدل المياه، تدفقت الاحتجاجات، وتأخر في الآجال، وتسربات مائية، وضعف في التغطية، وانقطاعات متكررة حتى في المراكز الكبرى، وساكنة دوار أمزار ببني سلمان مثلا ما زالت تشتكي عدم الاستفادة رغم إدراجها في البرنامج.
الأدهى أن المشروع لم يسلم من الشبهات، تقارير محلية تحدثت عن تلاعب بمواد البناء المعدنية، كشفتها دراسة لجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في دوار بني بوزرات، كما أثيرت اتهامات بتسييس المشروع، إذ وظفه بعض المنتخبين كورقة انتخابية بدل أن يكون حقا إنسانيا مشتركا، وهذا المعطى لا يمكن نفيه فمثل هذه الممارسات لا تنفصل عن الممارسة السياسية في القرى.
وعلى الميدان، المشهد متباين، بدوار تكديرت، الأسر تستفيد فعليا من الماء الصالح للشرب، في حين يقف دوار الزاوية أمام أشغال متوقفة منذ أكثر من سنة بسبب التمويل، أما دوار أيت اسعيد، فالأشغال تسير ببطء ولم تتجاوز بعد 80%، وبين هذا وذاك، تبقى صهاريج المياه المتنقلة الملاذ الأخير لساكنة دوار تلاووت، حيث الشبكة منجزة لكن العدادات لم تُركّب بعد.
ومن جهة أخرى، خبراء يتحدثون عن غياب التنسيق بين المتدخلين، في مشروع معقد جمع الـONEE، ومجلس الجهة، والممولين الدوليين، وهذا التعدد، بدل أن يكون قوة، تحول إلى نقطة ضعف أدت إلى فراغات تنفيذية، وغياب لجان تتبع حقيقية تراقب جودة الأشغال وصرف الميزانيات.
وبخصوص الحل، ربطت جريدة “شاوني الاتصال بعدة فاعلين مدنيين، اقترحوا أن الأمر يجب أن يمر عبر وضع خطة طوارئ تشمل صهاريج متنقلة، صيانة استباقية للتسربات، تعزيز الطاقة بمولدات احتياطية، وربط الدواوير الأبعد بخطوط جر مؤقتة إلى حين استكمال الشبكة، كما أن نشر تقارير تقدم شهرية للرأي العام سيكون صمام أمان ضد أي تلاعب أو تأخير إضافي.

