يعيش إقليم شفشاون في السنوات الأخيرة تراجعا كبيرا في إنتاج القنب الهندي، أحد المحاصيل التقليدية التي شكلت لعقود مصدر رزق أساسي للعديد من الأسر الفلاحية، وهذا التراجع، وفق معطيات محلية وشهادات من الفلاحين، لم يأتِ صدفة، بل هو نتيجة توالي سنوات الجفاف والأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت الإقليم، ما جعل زراعة القنب الهندي لم تعد صالحة ولا تدر دخلا يذكر على المزارعين الصغار.
وتوضح مصادر من داخل المجال الفلاحي أن قلة التساقطات المطرية المتتالية أدت إلى تقلص المحاصيل بشكل كبير، ما جعل الفلاح الصغير يجد نفسه عاجزا عن استثمار أرضه بشكل ناجح، إلى جانب ذلك، ساهم الارتفاع المستمر في تكاليف الزراعة وتراجع القدرة الشرائية في زيادة صعوبة استمراره في الزراعة التقليدية.
ولم يقتصر الضرر على الإنتاج فقط، بل امتد إلى الهجرة نحو المدن، حيث يبحث الشباب عن فرص عمل بديلة بعد أن فقدوا الأمل في الزراعة، وهذا النزيف السكاني جعل الفلاحين الصغار أكثر هشاشة واعتمادا على كبار المزارعين الذين يسيطرون على الموارد المائية والوديان.
وتوضح التقارير الميدانية أن الفلاحين الكبار في شفشاون استهلكوا ما يُعرف بـالفرشة المائية بالمنطقة، وسيطروا على الوديان والمنابع المائية الحيوية، تاركين الفلاحين الصغار عرضة للعطش والفقر، وفي الوقت نفسه، يواصل هؤلاء الأغنياء الاغتناء على حساب العمال والفلاحين الصغار، مستفيدين من الأراضي والموارد التي كانت مملوكة لمجتمع كامل.
وهذا الوضع خلق هامشا واسعا للتمييز الطبقي داخل المجال الفلاحي، حيث أصبح الفلاح الصغير الذي كان يوما مالكا لأرضه ومحصوله مجرد أجير في الضيعات، يعمل لساعات طويلة مقابل أجر يومي محدود، يشمل جميع الأنشطة المتعلقة بزراعة القنب الهندي، من الحراثة إلى الحصاد والتسويق.
وشهدت السنوات الأخيرة تحولا دراماتيكيا في دور الفلاح الصغير، الذي أصبح يتحرك بين ضيعة وأخرى في المنطقة، يبحث عن أجرة يومية لتأمين حد أدنى من المعيشة، بعدما فقد استقلاله الاقتصادي، وهذا التحول يضرب الكرامة الاقتصادية والاجتماعية للفلاح الصغير، ويزيد من تفاقم الفقر والهشاشة في الأرياف.
وتشير أصوات محلية إلى أن الواقع المزري لزراعة القنب الهندي في شفشاون يجب أن يكون نقطة انطلاق لإعادة النظر في سياسات الدعم الفلاحي، بما يشمل توزيع الموارد المائية بعدالة، ودعم الفلاحين الصغار، وتوفير بدائل اقتصادية مستدامة، وإلا فإن المنطقة ستشهد استمرارا في تراجع الإنتاجية الزراعية، وزيادة البطالة، وهجرة الشباب، وتفاقم الفقر.

