لم تكن ورشة “الموارد المائية” في عمالة شفشاون، التي حضرها عاملإقليم شفشاون زكرياء حشلاف، مجرد لقاء روتيني ضمن جهود إعداد برامج التنمية، بل تحولت إلى لحظة صراحة ومكاشفة لكيفية إدارة الموارد الأكثر حيوية، فبينما قدم الفاعلون خططا تقنية لمواجهة ندرة المياه، فجر المواطنون المشاركون قنبلة عدم تنفيذ المشاريع والوعود المتكررة، مؤكدين أن أزمة الماء في الإقليم مزدوجة؛ جزء منها مناخي، وجزء آخر إداري وتنموي.
وركز الجزء الأول من الورشة على وضع إطار عمل تقني لمواجهة هدر المياه، حيث تم الاتفاق على محاور رئيسية تشمل تحديث شبكات التوزيع لكشف ومعالجة التسربات، وضرورة استخدام المياه المعالجة في أغراض السقي لرفع الضغط عن مياه الشرب، كما شدد المتدخلون على أهمية تهيئة العيون الطبيعية وتجهيزها واستغلالها بشكل فعال لسقي المناطق الخضراء.
وانتقلت الورشة إلى صميم الواقع مع شكاوى المواطنين، الذين دعوا إلى التعاطي بجدية مع مشاكلهم المائية، وكانت الشكوى الأبرز هي عدم تنفيذ أو استكمال مشاريع الماء في مختلف الدواوير، رغم تلقيهم وعودا متكررة من الجهات المعنية، وهذه المشاريع المتعثرة خلقت شعورا بالإحباط وزعزعت الثقة في الإدارة المحلية.

وسجلت مداخلات المواطنين مفارقة صارخة تمثلت في غياب الماء الصالح للشرب رغم وجود البنية التحتية والمحطات المائية الموزعة على كافة الدواوير، وهذه الحالة تثير تساؤلات جدية حول كفاءة تسيير المنشآت المائية القائمة أو الخلل في ربطها وتشغيلها، مما يجعل الاستثمارات المنجزة في حكم شبه المعطلة أو غير المستفاد منها بالكامل.
وقدمت جماعة تناقوب مثالا حيا للكارثة، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الماء الصالح للشرب، وقد أكد المتدخلون أن هذا النقص الشديد دفع عددا من الأسر إلى الهجرة نحو المدن المجاورة كطنجة وتطوان، بحثا عن ظروف معيشية أفضل، كما أن النزيف السكاني يؤكد أن ندرة المياه وسوء توزيعها أصبح عاملا حاسما في زعزعة الاستقرار المجالي للإقليم.
وإلى جانب نقص الموارد، ركزت الورشة على سوء إدارة الاستهلاك، فقد اشتكى مواطنون من تبذير الماء على مستوى الخزانات المائية، خاصة في منطقة الشرافات رغم اشتهارها بمنبع مائي مهم، مسلطين الضوء على الاستغلال غير المعقلن للماء ووجود صراعات ونزاعات معقدة وكبيرة حول التقسيم العادل للمحطات المائية والاستفادة منها.
وخرج المتدخلون والمواطنون بمقترحات عملية كخارطة طريق للمرحلة القادمة، حيث تركزت هذه المقترحات على ضرورة إطلاق حملات توعية وتحسيس شاملة تتبناها جميع المؤسسات، إلى جانب تبني حلول تقنية بديلة مثل تجميع مياه الأمطار وضرورة الإسراع في برامج إعادة استعمال المياه العادمة بعد معالجتها.
وخلصت ورشة الموارد المائية إلى أن أزمة شفشاون لا يمكن اختزالها في الجفاف المتواصل فقط؛ بل هي أزمة تنموية وإدارية تتعلق بـالوفاء بالوعود، وتفعيل المشاريع المبرمجة، وتأمين العدالة المائية بين جميع الدواوير، ويتوقف مصير الإقليم وقدرته على تثبيت سكانه على مدى السرعة والجدية في تحويل هذه التوصيات إلى إجراءات فورية وملموسة.

