يقدم كتاب “فهم شفشاون: المعرفة التقليدية لموطن مستدام”، للباحثة والمهندسة المعمارية الإيطالية ليتيزيا ديباسكوالي، الصادر عن جامعة فلورنسا – Firenze University Press، عملا علميا مرجعيا يعالج قضية صون التراث الثقافي من زاوية شمولية، تربط بين العمارة، والبيئة، والذاكرة، والتنمية المستدامة، واضعة مدينة شفشاون في قلب هذا النقاش العالمي.
وفي هذا السياق، ينطلق الكتاب من مبدأ أساسي مفاده أن التراث الثقافي، بشقّيه المادي وغير المادي، ليس مجرد إرث من الماضي، بل رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومصدر للهوية الجماعية.
وتؤكد ديباسكوالي أن حماية التراث لا يجب أن تفهم كفعل محافظ جامد، بل كعملية ديناميكية تضع الإنسان ورفاهيته في صلب سياسات التنمية.
وتبرز شفشاون، في هذا العمل، كمدينة ذات قيمة معمارية استثنائية، تشكل نسيجا حيا من الأمكنة والذكريات والتجارب، فعمارتها تمثل تزاوجا فريدا بين تقاليد البناء المحلي في منطقة جبالة والتأثيرات الأندلسية التي حملها الموريسكيون بعد سقوط غرناطة، ما منح المدينة شخصية عمرانية وروحية متفرّدة داخل المشهد الحضري المغربي.
ويسلّط الكتاب الضوء على خصوصيات المدينة العتيقة، من تنظيم المنازل حول الأفنية الداخلية، إلى شبكة الأزقة المتكيفة مع التضاريس الجبلية الوعرة، حيث تطورت شفشاون على شكل مدرجات تحت حماية الجبال التي اشتُق اسمها منها، ويولي اهتماما خاصا لطقس تبييض الجدران بالجير، الذي ارتبط لاحقا باللون النيلي، مانحا المدينة طابعها الأسطوري المعروف عالميا.
غير أن هذا التراث، بحسب الكاتبة، بات مهددا بفعل التحولات العمرانية غير المنضبطة، واستعمال مواد حديثة مثل الخرسانة المسلحة، التي تُقدم باعتبارها أكثر متانة، لكنها في الواقع لا تنسجم مع الخصوصيات المناخية والبيئية للمدينة، وتشكل خطرا على سلامة المباني التاريخية واستدامتها.
ويستند الكتاب إلى بحث ميداني طويل الأمد بدأ منذ سنة 2005، في إطار مشروع تعاون دولي موّلته جهة توسكانا الإيطالية، تزامن مع جهود إعادة الإعمار بعد زلزال الحسيمة سنة 2004، وقد انبثقت عنه فكرة إنشاء مركز للتكوين المهني يهدف إلى تأهيل وتطوير تقنيات البناء التقليدية، باعتبارها ركيزة أساسية لصون التراث.
وتؤكد ديباسكوالي أن صيانة التراث لا تقتصر على المواد والتقنيات، بل تشمل ما تسميه بـ«المعرفة غير المادية»، أي المعارف المحلية المتوارثة، وأنماط تدبير الموارد، والاختيارات المعمارية التي تعكس علاقة المجتمع ببيئته وحاجياته الاجتماعية والثقافية عبر الزمن.
ويعتمد الكتاب مقاربة متعددة التخصصات، حيث ينقسم إلى ثلاثة محاور رئيسية: الأول يعالج السياق البيئي والاجتماعي والاقتصادي والتحليل المورفولوجي للمدينة، والثاني يركز على ثقافة البناء وتقنيات الترميم المستلهمة من التجربة الإيطالية، بينما يتناول الجزء الأخير تحديات المستقبل، خاصة المخاطر الطبيعية والبشرية، ومبادئ الاستدامة الكامنة في العمارة التقليدية الشفشاونية.
وفي إطار نظري أوسع، يضع الكتاب شفشاون ضمن مفهوم «المشهد الثقافي» كما تعرّفه اليونسكو، باعتبارها نتاجا للتفاعل المستمر بين الإنسان والطبيعة. ويبرز أن قيمة المدينة لا تكمن فقط في مبانيها، بل في روحها، وأنماط عيش سكانها، وتنظيمهم الاجتماعي، ما يجعلها نموذجًا حيًا لمشهد ثقافي متطور.
ويخلص كتاب «فهم شفشاون» إلى أن الحداثة لا يجب أن تعني القطيعة مع الجذور، بل يمكن بناؤها انطلاقا من الموارد المحلية والهوية الثقافية، في مسار تنموي يحترم الخصوصية ولا يُحوّل المدن إلى نسخ متشابهة.
وبذلك، يشكل هذا العمل مرجعا أساسيا للباحثين وصناع القرار، ودعوة واضحة إلى “الإنصات للأمكنة” قبل التدخل فيها، حفاظا على ذاكرة شفشاون ومستقبلها في آن واحد.
جريدة شاوني تضع الكتاب كاملا رهن إشارتكم للقراءة والاطلاع اضغط هنا

