يظل إقليم شفشاون، بتضاريسه الوعرة ومجاله الجبلي الفريد، شاهدا حيا على مفارقة تنموية معقدة؛ فبين غنى طبيعي ومائي مفترض، تتخبط جماعاته الترابية في سلسلة من الإشكاليات الهيكلية العميقة التي تعيق مسار العدالة المجالية.
وفي صدارة هذه التحديات تبرز المعضلة الطرقية، حيث تفتقر مئات الدواوير النائية إلى مسالك معبدة تضمن الحد الأدنى من التنقل، ليتحول فصل الشتاء وتساقط الثلوج إلى كابوس سنوي يكرس العزلة التامة، ويعطل أبسط خدمات الإسعاف والنقل المدرسي، ضارباً في العمق مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى المرافق الحيوية.
ولا تقل أزمة الماء الصالح للشرب حدةً عن سابقتها، إذ يعاني الإقليم، رغم طابعه المائي النسبي، من خصاص موسمي مقلق يطال الدواوير والمراكز القروية على حد سواء، وتتجسد الأزمة بوضوح في غياب البنيات المائية التحتية الكفيلة بتثمين مياه الأمطار واستغلال الفرشات المائية بفضل السدود التلية، ما يجعل شبكات التوزيع عاجزة عن تأمين الحاجيات الأساسية للسكان والفلاحين، خصوصا في ظل سنوات الجفاف المتتالية التي تضيق الخناق على الاستقرار الديموغرافي بالمجال القروي.
وعلى الصعيد الصحي والاستشفائي، يعكس الوضع بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس ومختلف المستوصفات القروية هشاشة مقلقة تؤرق السكان؛ إذ يشتكي الإقليم من خصاص حاد في التجهيزات الطبية الحديثة ونقص فادح في الأطر البشرية الاستشفائية، وهذا الوضع المأزوم يجبر المرضى على خوض رحلات علاجية شاقة ومكلفة نحو المستشفيات الجامعية والإقليمية بمدن المجاورة كتطوان وفاس، متكبّدين تبعات نفسية ومادية مضاعفة تثقل كاهل الأسر المعوزة.
أما اقتصادياً، فيعاني الإقليم من تهميش بنيوي وغياب تام لنسيج استثماري وصناعي قادر على استيعاب أفواج الشباب العاطل عن العمل، ففي غياب بدائل اقتصادية حقيقية، ظل جزء واسع من الاقتصاد المحلي رهينا لزراعات تقليدية محظورة سابقا؛ ورغم انطلاق مسار التقنين المؤسساتي عبر الوكالة الوطنية لتقنين أنشطة القنب الهندي (ANRAC)، إلا أن التحول نحو تنمية فلاحية وصناعية بديلة ومستدامة يظل بطيئاً، ومحتاجاً إلى إقلاع استثماري حقيقي يحرر طاقات الإقليم الكامنة.
وفي الواجهة الاجتماعية والتعليمية، تتفاقم ظاهرة الهدر المدرسي بوتيرة مقلقة، لا سيما في صفوف الفتيات بالوسط القروي جراء بعد المؤسسات التعليمية وغياب الداخليات الكافية. وتتكامل هذه المعضلة مع شح الفضاءات الثقافية والرياضية ومراكز التكوين المهني المؤهلة للشباب؛ وهو ما يفرض على الفاعلين المؤسساتيين والمنتخبين صياغة جيل جديد من السياسات العمومية القائمة على التخطيط الاستراتيجي لفك العزلة، ورد الاعتبار للمجال الجبلي باعتباره رافعة أساسية للتنمية المتوازنة.

