تستفيق جماعة المنصورة القروية التابعة لإقليم شفشاون كل يوم على أنين قطاع تعليمي يصارع البقاء في ظل تراكمات سلبية لم تعد تقبل التأجيل، حيث تعيش المؤسسات التعليمية بمركز الجماعة، وعلى رأسها الثانوية الإعدادية والثانوية التأهيلية، حالة من التردد البنيوي، فالسور المحيط بالإعدادية بات قنبلة موقوتة تهدد المارة والتلاميذ على حد سواء بسبب تصدعاته العميقة وميله الواضح نحو السقوط، ورغم النداءات المتكررة لترميمه إلا أن دار لقمان لا تزال على حالها، وهو ما يضع الشعارات المدرسية في مهب الريح أمام خطر يتربص بالجميع في صمت مريب.
وتتفاقم معاناة التلاميذ والأساتذة بمركز الجماعة مع معضلة الولوجيات التي تفتقر لأدنى معايير الهندسة المسهلة للحركة، إذ يجد رواد الثانويتين صعوبة بالغة في الوصول إلى حجرات الدرس بسبب المسالك غير المهيئة والوعرة، وهو وضع لا يستقيم مع التوجهات الوطنية الرامية لتجويد فضاءات التعلم، كما يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب الرؤية التدبيرية في تحسين مداخل هذه المؤسسات، إذ يضطر الجميع لخوض مغامرة يومية للوصول إلى مقاعد الدراسة، مما يؤثر سلبا على الجاذبية التعليمية ويحول المؤسسة من فضاء للاستقطاب إلى عبء يثقل كاهل المتمدرسين.
والصورة القاتمة تزداد حدة بمجرد الانتقال إلى المدارس الابتدائية والفرعيات المترامية الأطراف في الدواوير والمداشر، حيث يواجه التلاميذ والأساتذة واقعا مأساويا يتجسد في غياب أبسط شروط الكرامة الإنسانية، فمعظم هذه الوحدات تفتقر لربط بشبكة الماء الصالح للشرب وتغيب فيها المراحيض الوظيفية، مما يحول اليوم الدراسي إلى رحلة معاناة قاسية، ويضاف إلى ذلك الانعدام التام للحراسة الأمنية مما يجعل حرمة هذه المدارس وتجهيزاتها عرضة للتخريب والضياع، وهو ما يجسد شرخا عميقا بين الخطاب الرسمي الذي يبشر بالنهضة التربوية والواقع المرير الذي تعيشه قرى المنصورة.
وتواجه الشغيلة التعليمية العاملة في هذه المناطق النائية إكراهات مهنية واجتماعية تفوق طاقة الاحتمال، حيث يعمل المعلمون في ظروف قاسية تفتقر للمواكبة والدعم اللوجستيكي اللازم، وهو ما ينعكس بشكل مباشر وتلقائي على المردودية التعليمية ومستوى التحصيل الدراسي لدى الأطفال، وقد سجلت ملاحظات ميدانية تدنيا ملحوظا في المستوى التعليمي ببعض الفرعيات، مما يضع مستقبل أجيال كاملة على المحك، ويؤكد أن ظروف التمدرس الحالية لا تخدم مشروع الارتقاء بالفرد والمجتمع، بل تكرس الفوارق الطبقية والمجالية التي حذرت منها التوجيهات الملكية السامية.
والاستمرار في نهج سياسة الهروب إلى الأمام لم يعد مسموحا به في سنة 2026، خاصة وأن المغرب يطمح لتحقيق إقلاع تعليمي شامل يقطع مع إخفاقات الماضي، فمن غير المقبول بتاتا أن تستمر هذه الاختلالات لعقود طويلة دون تدخل حاسم يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية في العالم القروي، وتظل الفجوة تتسع بين مغرب السرعات المتفاوتة ومغرب الكرامة وتكافؤ الفرص، مما يستوجب وقفة تأمل عميقة من كافة المتدخلين لتصحيح هذا المسار المائل، والعمل على رد الاعتبار للطفل القروي الذي يملك نفس الحقوق التي يملكها أقرانه في الحواضر الكبرى.
وتتجه الأنظار اليوم صوب المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية بشفشاون، محمد عبد الغفور عزاوي بصفته المؤتمن على تنفيذ السياسات التربوية بالإقليم، حيث باتت الزيارة الميدانية العاجلة لهذه المؤسسات بجماعة المنصورة واجبا مهنيا وأخلاقيا لا يقبل التأجيل، وذلك للوقوف شخصيا على حجم التردي وإيجاد حلول جذرية تنهي عقودا من التهميش، فهل سيستجيب المدير الإقليمي لنداء الاستغاثة المنبعث من جبال المنصورة، وهل سيقوم بزيارة تفقدية تضع حدا لمعاناة التلاميذ والأساتذة وتترجم التوجهات الكبرى للدولة على أرض الواقع.

