تترقب المناطق الشمالية للمملكة وجنوب القارة الأوروبية تبعات الزحف الجوي للمنخفض الأطلسي العميق المعروف باسم “ليوناردو”، حيث أوضحت المديرية العامة للأرصاد الجوية أن هذا النظام الجوي النشط ناتج عن تلاقي كتل هوائية باردة ذات أصل قطبي قادمة من أمريكا الشمالية مع كتل دافئة ورطبة ذات منشأ شبه مداري، هذا التباين الحراري الصارخ أدى إلى تعزيز قوة التيار النفاث في طبقات الجو العليا، مما ساهم في دفع كميات هائلة من بخار الماء نحو حوض المتوسط وشمال إفريقيا، لتتحول هذه الشحنات الرطبة إلى سلسلة متواصلة من الاضطرابات الجوية التي تضرب بقوة سواحل طنجة وتطوان ومرتفعات الريف، مخلفة تساقطات مطرية غزيرة تتجاوز المعدلات المعتادة في مثل هذه الفترة من السنة.
ويؤكد الحسين يوعابد، المسؤول عن التواصل بالمديرية، أن التوصيف العلمي الدقيق لما تعيشه المنطقة هو “منخفض جوي” وليس “عاصفة” كما يتداول البعض، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تتسم بعمق ضغطها وتأثيرها الواسع الذي يمتد من شبه الجزيرة الإيبيرية وجنوب فرنسا وصولا إلى أقصى شمال غرب إفريقيا، إذ يستمد هذا المنخفض قوته من تتابع الاضطرابات الأطلسية النشطة التي تفرغ حمولتها المائية بشكل رعدي وأحيانا عنيف، مما يفسر حدة الحالة الجوية التي استوجبت رفع درجة اليقظة إلى المستوى الأحمر في أقاليم شفشاون والمناطق المجاورة لها، تفاديا لأي مخاطر قد تنجم عن السيول الجارفة والفيضانات المفاجئة.
وحول تسمية “ليوناردو” التي أثارت فضول المتابعين، كشف المتحدث ذاته عن وجود بروتوكول دولي صارم يحكم نظام التسميات وتعتمد عليه هيئات الأرصاد العالمية منذ سنوات طويلة، حيث يتم الاتفاق مسبقا على قائمة أسماء دورية تطلق على المنخفضات الجوية بناء على الدول الأقرب لمسار تشكلها الأولي، ويرجح في حالة هذا المنخفض أن تكون مصالح الأرصاد في إسبانيا أو البرتغال هي من اختارت هذا الاسم وفقا لترتيب الحروف الأبجدية المعتمد في جدول التسميات السنوي، وذلك لتسهيل عملية التواصل مع الجمهور وتحذير الملاحة البحرية والجوية من المخاطر المحتملة بأسلوب موحد وواضح.
وتشير التقارير التقنية إلى أن جغرافيا المغرب الشمالية تجعلها في مواجهة مباشرة مع هذه الكتل الهوائية الباردة، مما يعزز من فرص تكون سحب ركامية كثيفة تؤدي إلى هطولات مطرية قوية ومحلية، خاصة في المناطق التي تتميز بتضاريس جبلية وعرة تساهم في رفع الهواء الرطب إلى الأعلى وتكثيفه بسرعة كبيرة، وهذا الوضع الجوي الاستثنائي يتطلب متابعة دقيقة ومستمرة للنشرات الإنذارية التي تصدرها المديرية، نظرا للديناميكية العالية التي يتسم بها منخفض “ليوناردو” وقدرته على تجديد نشاطه عبر تدفقات رطبة إضافية تأتي من أعماق المحيط الأطلسي، مما يطيل أمد الاضطرابات الجوية لعدة أيام متتالية.
إن هذه التقلبات المناخية الحادة تعيد إلى الواجهة أهمية الرصد الاستباقي والاعتماد على النمذجة العددية المتطورة لفهم تحركات الغلاف الجوي، فالتأثيرات المباشرة لهذا المنخفض لا تقتصر على التساقطات فحسب، بل تمتد لتشمل هبات رياح قوية واضطرابا كبيرا في حالة البحر، وهو ما يستدعي من الساكنة والفاعلين الاقتصاديين في الأقاليم الشمالية توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، والتعامل بجدية مع التنبيهات الرسمية التي تعكس حجم التحديات التي تفرضها الطبيعة في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي بات يشهدها كوكبنا، والتي تجعل من ظواهر مثل “ليوناردو” أكثر تكرارا وحدة في المستقبل القريب.

