تتصاعد أصوات النخب والفاعلين في إقليم شفشاون للمطالبة بإنصاف سياسي طال انتظاره، حيث تكشف القراءة المتأنية في مسار مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة منذ سنة 2011 عن مفارقة صارخة، إذ تعاقبت على رئاسة هذا الصرح الجهوي شخصيات تنتمي إلى أقاليم الحسيمة وطنجة ووزان، بينما ظل إقليم شفشاون خارج دائرة القرار التنفيذي الأول، فمنذ اعتماد الجهوية المتقدمة ترأس المجلس كل إلياس العماري ثم فاطمة الحساني وكلاهما من إقليم الحسيمة ووزان، وصولا إلى عمر مورو من طنجة، هذا الغياب لتمثيلية شفشاون على رأس الهرم الجهوي يطرح علامات استفهام كبرى حول معايير التوزيع السياسي للمناصب القيادية في شمال المملكة، خاصة وأن الإقليم يزخر بكفاءات سياسية وتكنوقراطية قادرة على تدبير الشأن العام بذكاء وحنكة، مما يجعل استمرار استبعاده من الرئاسة أمرا يحتاج إلى مراجعة عميقة تتماشى مع طموحات الساكنة.
تتجلى الفوارق التنموية بين أقاليم الجهة بشكل يثير الكثير من القلق لدى المتتبعين للشأن المحلي، فبينما استفادت أقاليم مجاورة من مشاريع مهيكلة وبنيات تحتية ضخمة واستثمارات صناعية وسياحية كبرى، بقي إقليم شفشاون يعاني من ضعف حاد في الربط الطرقي القروي وهشاشة في المنشآت الصحية والتعليمية، إن المقارنة الميدانية توضح أن المشاريع المبرمجة داخل مجلس الجهة تميل كفتها غالبا نحو الحواضر الكبرى والمناطق التي حظيت برئاسة المجلس، مما ترك شفشاون في زاوية التهميش التنموي، حيث لا تزال العديد من الجماعات الترابية التابعة للإقليم تصارع من أجل الحصول على أبسط شروط العيش الكريم، وهو ما يعكس خللا في عدالة التوزيع الترابي للميزانيات والبرامج الجهوية التي يفترض أن تستهدف المناطق الأكثر خصاصا عوض التركيز على الأقطاب الجاهزة.
ويعتبر الوضع الاقتصادي في إقليم شفشاون مرآة عاكسة لغياب رؤية جهوية مندمجة، فالإقليم الذي يمتلك مؤهلات سياحية وفلاحية وبيئية فريدة لم يستثمر بالشكل الأمثل ضمن استراتيجيات الجهة، حيث يلاحظ أن الدعم المخصص لتعزيز المقاولات المحلية وخلق فرص الشغل للشباب يظل محدودا جدا، مما أدى إلى استفحال ظاهرة الهجرة نحو المدن الساحلية أو البحث عن لقمة العيش في قطاعات غير مهيكلة، كما أن غياب الرؤية الاقتصادية من طرف مجلس الجهة تجاه هذا الإقليم ساهم في تجميد طاقاته الإنتاجية، وجعله مجرد خزان للموارد البشرية والمواد الأولية دون وجود وحدات صناعية أو تحويلية تخفف من وطأة البطالة وتدفع بعجلة التنمية المحلية نحو الأمام، مما يكرس التبعية الاقتصادية ويضعف القوة الشرائية للمواطنين.
وأفرز هذا الواقع السياسي والاقتصادي تداعيات اجتماعية ثقيلة على ساكنة الجوهرة الزرقاء ونواحيها، حيث سجلت تقارير غير رسمية ارتفاعا في معدلات الهشاشة الاجتماعية في القرى والمداشر التابعة للإقليم، بالإضافة إلى العزلة الجغرافية التي يعيشها إقليم شفشاون تفاقمت بسبب ضعف التدخل الجهوي في قطاعي الماء والكهرباء وتأهيل المسالك، مما جعل الساكنة تشعر بنوع من الإقصاء الممنهج من ثمار التنمية التي تشهدها الجهة بصفة عامة، وهذه الوضعية أدت إلى تزايد الاحتقان الاجتماعي والمطالبة بضرورة تغيير المقاربة المعتمدة في تدبير الشأن الجهوي، بحيث يتم استحضار البعد الاجتماعي كأولوية قصوى لإنقاذ آلاف الأسر من براثن الفقر والتهميش الذي طال أمده دون وجود بوادر حقيقية للتغيير في الأفق القريب.
وتمتلك شفشاون نخبة سياسية واعية ومتمرسة أثبتت كفاءتها في العديد من المحطات الوطنية، وهذه النخبة اليوم تعول عليها الدولة في تنزيل المشاريع الكبرى وضمان الاستقرار التنموي في منطقة حساسة، وحرمان الإقليم من رئاسة الجهة لا يعد فقط إقصاء جغرافيا بل هو هدر لفرص تطوير الجهة برمتها، لأن الكفاءات الشفشاونية قادرة على تقديم نموذج تدبيري يزاوج بين الأصالة المعاصرة وبين النجاعة في التنفيذ، والوقت قد حان لتثق المؤسسات الحزبية والمركزية في قدرة أبناء هذا الإقليم على قيادة مجلس الجهة، ليس من باب المحاصصة بل من باب الاستحقاق والقدرة على بلورة مشاريع تعيد الاعتبار للمناطق الجبلية والقروية التي ظلت منسية في برامج الرؤساء السابقين.
ويقتضي المسار الديمقراطي والجهوي الحالي ضرورة إنهاء التمركز السياسي في أقطاب معينة داخل الجهة، إذ لا يمكن الحديث عن جهوية متقدمة حقيقية في ظل وجود أقاليم تعتبر “بقرة حلوبا” للأصوات الانتخابية بينما تظل في ذيل القائمة عند توزيع المشاريع والرئاسات، وإقليم شفشاون بما يمثله من ثقل تاريخي وحضاري وجغرافي يستحق أن يكون في قلب القرار الجهوي، وهذا يتطلب جرأة سياسية من الأحزاب المتصدرة للمشهد لتزكية وجوه من الإقليم لتولي رئاسة المجلس في الولايات المقبلة، من أجل ضخ دماء جديدة في جسد الجهة وضمان توازن حقيقي ينهي حقبة التهميش، ويؤسس لمرحلة جديدة من البناء المشترك الذي لا يستثني أحدا ولا يترك أي مجال عرضة للنسيان.
هذا ويعتبر المستقبل التنموي لجهة طنجة تطوان الحسيمة رهين بمدى قدرتها على التصالح مع أقاليمها المهمشة وعلى رأسها إقليم شفشاون، فالرهان اليوم يتجاوز مجرد توزيع المناصب إلى ضرورة خلق نموذج تنموي جهوي عادل وشامل، إن تحقيق هذه العدالة يبدأ بالاعتراف بالكفاءات السياسية للإقليم ومنحها الفرصة لإثبات ذاتها في تدبير شؤون الجهة، مما سيسهم في تقليص الفوارق بين الأقاليم ويعزز الشعور بالانتماء لدى الساكنة، فإقليم شفشاون لم يعد يقبل بدور المتفرج على قاطرة التنمية وهي تمر من جانبه، بل يطمح ليكون في قمرة القيادة للمساهمة في بناء جهة قوية، متضامنة، ومزدهرة تليق بمكانة المغرب وتطلعات ملكه وشعبه نحو الرقي والازدهار.

