أظهرت دراسة حديثة نشرها معهد البحوث الاقتصادية الألماني “سيسيفو” (CESifo) أن السياسة التي اعتمدها المغرب لتقنين إنتاج القنب الهندي للاستخدامات الطبية والصناعية قد حققت نجاحا ملموسا في تقليص حجم السوق السوداء، واستندت الدراسة، التي أعدها الباحثون ميكيلي ليبيريتوري، وأنا بيتيني، وألبرتو تونيني من جامعة فلورنسا، إلى منهجية اقتصادية متطورة تُعرف بـ”طريقة التحكم الاصطناعي” لقياس الأثر السببي للتحول المؤسساتي الذي شهده المغرب بعد إقرار القانون رقم 13-21.
وأشار التقرير الدولي إلى أن بدء تنزيل هذا الإصلاح التشريعي أسفر عن انخفاض ملحوظ في الإنتاج غير القانوني للقنب الهندي خلال المرحلة الأولى من التطبيق، ووفقا لتقديرات النموذج الاقتصادي المعتمد، فقد سُجل تراجع يقدر بنحو 10,000 طن في حجم الإنتاج غير المشروع مقارنة بالسيناريو البديل الذي افترضه النموذج في حال عدم تبني الإصلاح ؛ وهو ما يعكس تحولاً بنيويًا في ديناميات السوق، خاصة وأن التوقعات كانت تشير إلى احتمال زيادة الأنشطة غير القانونية لولا هذا التدخل القانوني الحاسم.
وكشفت الدراسة عن ملمح اقتصادي لافت يتمثل في وجود “آثار استباقية” بدأت تظهر منذ عام 2017. وأوضح الباحثون أن المزارعين في المناطق المعنية، ولا سيما في أقاليم شفشاون والحسيمة وتاونات، شرعوا في خفض إنتاجهم غير القانوني تدريجيًا قبل دخول القانون حيز التنفيذ الفعلي ؛ وذلك تفاعلا مع إشارات سياسية قوية ومصداقية التوجه العام للمملكة نحو التقنين، والتي تجسدت في نقاشات برلمانية ومبادرات تشريعية مبكرة، وصولاً إلى تصويت المغرب الإيجابي في الأمم المتحدة لإعادة تصنيف النبتة عام 2020.
وعلى الصعيد المحلي، سلط التقرير الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي (ANRAC) في تنظيم وتتبع سلسلة القيمة. ورغم الجاذبية المالية التي يوفرها السوق القانوني بتقديمه أسعارا تصل إلى 75 درهما للكيلوغرام الواحد مقارنة بأسعار السوق السوداء الزهيدة، إلا أن التقرير أكد أن المسار لا يزال في بداياته ويواجه تحديات ترتبط بمرونة الاقتصاد غير المهيكل، حيث بلغت المساحات المرخصة نحو 2,552 هكتارا حتى عام 2024، وهو رقم لا يزال يمثل جزءا صغيرا من إجمالي المساحات المزروعة تقليديًا.
وأبرزت الدراسة الأبعاد الدولية والإقليمية لهذا التحول؛ فبينما يمثل التقنين أداة فعالة للمغرب لإدماج المزارعين في النسيج الاقتصادي المهيكل وتطوير التنمية الريفية ، فإنه يفتح في المقابل آفاقا استراتيجية واعدة لأسواق القيادة الأوروبية، ولا سيما إيطاليا.
وخلص الباحثون إلى أن تأسيس قنوات توريد قانونية ومراقبة للقنب ذي الجودة الطبية من شأنه أن يسهم بشكل كبير في سد النقص المزمن الذي تعاني منه المستشفيات والصيدليات الأوروبية في هذا المجال.

