دراسة قانونية في ضوء حالة اختفاء الشاب عبد الودود الرباج بمدينة طنجة
✓مقدمة:
يشكل اختفاء الأشخاص المصابين بالأمراض النفسية أحد أكثر التحديات تعقيدا أمام الدولة الحديثة، لما يفرضه من تداخل بين الالتزامات الأمنية، والقضائية، والصحية، والاجتماعية، والحقوقية. فهذه الفئة تعد من الأشخاص الأكثر هشاشة، بالنظر إلى ما قد تعانيه من اضطرابات تؤثر في قدرتها على الإدراك أو اتخاذ القرار أو حماية نفسها، مما يجعلها أكثر عرضة للمخاطر والاستغلال أو الوفاة أو التشرد عند اختفائها.
وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في ضوء اختفاء الشاب عبد الودود الرباج، البالغ من العمر اثنين وعشرين سنة، بمدينة طنجة، وهي واقعة إنسانية تستدعي استحضار الإطار القانوني المنظم لمسؤولية الدولة في حماية الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، دون أن يشكل ذلك حكماً مسبقاً بشأن وقائع هذه القضية أو نتائج الأبحاث الجارية، باعتبار أن تحديد المسؤوليات يبقى من اختصاص السلطات القضائية المختصة.
ومن هذا المنطلق، يهدف هذا المقال إلى إبراز الالتزامات القانونية التي تقع على عاتق الدولة المغربية في مثل هذه الحالات، في ضوء أحكام الدستور المغربي، والاتفاقيات الدولية، والاجتهاد القضائي الدولي، مع بيان مدى ضرورة اعتماد مقاربة حقوقية وإنسانية تجعل حماية الأشخاص في وضعية هشاشة أولوية من أولويات السياسات العمومية.
أولاً: الأساس الدستوري لمسؤولية الدولة المغربية
جعل دستور المملكة المغربية لسنة 2011 حماية الإنسان محوراً أساسياً للدولة الحديثة، حيث نص الفصل 20 على أن “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق.” ولا يقتصر مضمون هذا الفصل على الامتناع عن المساس بالحياة، بل يفرض على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الضرورية لحماية الأشخاص الذين تكون حياتهم معرضة لخطر حقيقي.
كما ينص الفصل 21 من الدستور على أن السلطات العمومية تعمل على ضمان أمن السكان وسلامتهم، وهو التزام يمتد إلى جميع الأشخاص الموجودين فوق التراب الوطني، وخاصة الفئات الهشة التي تحتاج إلى حماية خاصة.
أما الفصل 34 فقد ألزم الدولة بوضع وتنفيذ سياسات عمومية موجهة إلى الأشخاص في وضعية هشاشة، بما يضمن لهم الحماية والرعاية والإدماج، وهو ما يشمل الأشخاص المصابين بالأمراض النفسية والعقلية.
وانطلاقاً من هذه المقتضيات، فإن اختفاء شخص يعاني من اضطرابات نفسية لا يمكن اعتباره مجرد واقعة اعتيادية، بل يستوجب تعبئة جميع الوسائل القانونية والإدارية المتاحة لحماية حياته وسلامته.
ثانياً: الالتزامات الدولية للمغرب
لا تنبع مسؤولية الدولة من الدستور فقط، وإنما كذلك من التزاماتها الدولية.
فقد نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن:
“لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.”
كما أكدت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى الدول حمايته بموجب القانون.
ويضيف العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته الثانية عشرة التزام الدول بضمان أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والنفسية.
وتكتسب اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لسنة 2006 أهمية خاصة، إذ تعتبر الاضطرابات النفسية ضمن الحالات التي تستوجب حماية خاصة متى ترتب عنها قصور طويل الأمد يؤثر في المشاركة الكاملة في المجتمع. وقد نصت المادة 10 على ضمان الحق في الحياة، والمادة 11 على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الأشخاص ذوي الإعاقة في حالات الخطر، بينما أكدت المادة 16 ضرورة حمايتهم من جميع أشكال الاستغلال والعنف والإهمال.
وتؤكد هذه الاتفاقيات أن واجب الدولة لا يقتصر على التدخل بعد وقوع الضرر، بل يشمل اعتماد تدابير وقائية فعالة تحول دون تعريض الأشخاص الهشين للمخاطر.
ثالثاً: الالتزامات الإيجابية للدولة في الاجتهاد القضائي الدولي
كرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مبدأ الالتزامات الإيجابية للدولة، واعتبرت أن الحق في الحياة يفرض على السلطات اتخاذ التدابير العملية والمعقولة لحماية الأشخاص إذا كانت تعلم أو كان ينبغي لها أن تعلم بوجود خطر حقيقي يهدد حياتهم.
وفي قضية Osman v. United Kingdom (1998)، أكدت المحكمة أن مسؤولية الدولة قد تقوم إذا امتنعت عن اتخاذ التدابير المعقولة التي كان من شأنها الحد من خطر معروف.
كما أكدت في قضية Keenan v. United Kingdom (2001) أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية يحتاجون إلى مستوى أعلى من الحماية والرعاية، وأن السلطات مطالبة باتخاذ إجراءات تتناسب مع هشاشتهم.
ومن جهتها، اعتبرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في التعليق العام رقم 36 بشأن الحق في الحياة، أن الدول ملزمة بتنظيم أجهزتها الأمنية والإدارية والصحية بما يضمن حماية الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، وأن الإخفاق في اتخاذ التدابير المعقولة قد يشكل إخلالاً بالتزامات الدولة الدولية.
رابعاً: التطبيق على حالة اختفاء الشاب عبد الودود الرباج
في ضوء ما سبق، فإن حالة اختفاء الشاب عبد الودود الرباج بمدينة طنجة تبرز أهمية التطبيق الفعلي لهذه الالتزامات القانونية. فمتى كان الشخص المختفي يعاني من اضطرابات نفسية، فإن ذلك يستوجب من السلطات المختصة التعامل مع الواقعة باعتبارها حالة ذات أولوية، واتخاذ جميع الإجراءات التي يسمح بها القانون، من بحث ميداني، وتنسيق بين الأجهزة الأمنية والقضائية، والتواصل مع المؤسسات الصحية، واستعمال الوسائل التقنية المتاحة، ومواكبة الأسرة وإحاطتها بمستجدات البحث.
ولا يقصد من هذا التحليل تقرير وجود تقصير أو مسؤولية قانونية في هذه القضية بعينها، لأن ذلك يظل رهيناً بما تنتهي إليه التحقيقات والوقائع المثبتة، وإنما يهدف إلى بيان الإطار القانوني الذي يحكم واجبات الدولة في مثل هذه الحالات.
خاتمة
إن حماية الأشخاص المصابين بالأمراض النفسية عند اختفائهم ليست عملاً إنسانياً فحسب، بل هي التزام دستوري ودولي يفرض على الدولة اعتماد مقاربة قائمة على السرعة والنجاعة والتنسيق بين مختلف المؤسسات.
وتبرز قضية اختفاء الشاب عبد الودود الرباج بمدينة طنجة الحاجة إلى تعزيز بروتوكولات البحث عن الأشخاص في وضعية هشاشة، وتطوير آليات التنسيق بين السلطات الأمنية والقضائية والصحية، بما يضمن حماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية، ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المكلفة بحماية الحقوق والحريات.
المراجع
– دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 20 و21 و34 و55.
– الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 10 دجنبر 1948، المادة 3.
– العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200 (د-21) بتاريخ 16 دجنبر 1966، المادة 6 والمادة 9.
– العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، 16 دجنبر 1966، المادة 12.
– اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، اعتمدت في 13 دجنبر 2006، المواد 10 و11 و16 و25.
– لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام رقم 36 (2018) بشأن المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الحق في الحياة).
– Osman v. United Kingdom, European Court of Human Rights, Judgment of 28 October 1998, Reports of Judgments and Decisions 1998-VIII.
– Keenan v. United Kingdom, European Court of Human Rights, Application No. 27229/95, Judgment of 3 April 2001.
– المبادئ المتعلقة بحماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي وتحسين العناية بالصحة العقلية، اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 46/119 بتاريخ 17 ديسمبر 1991.

