بقلم الغالي الفرشوني
النميمة في الماضي تنتهي بانفضاض المجلس، أما اليوم فقد أصبحت رقمية، تعبر الهواتف والشاشات في ثوانٍ، وتستقر في الذاكرة الإلكترونية زمنا طويلا، فلم تعد تقتصر على منشور في منصة للتواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى الرسائل الخاصة عبر “واتساب”، والمجموعات المغلقة، والمقاطع الصوتية، والتعليقات، وإعادة توجيه الأخبار والصور دون تحقُّقٍ أو مسؤولية.
لقد وسّعت التكنولوجيا فضاء الحرية، لكنها لم توسع بالقدر نفسه فضاء المسؤولية؛ فأصبح من السهل أن يكتب الإنسان ما لا يجرؤ على قوله وجها لوجه، وأن يشارك خبرا لم يتثبت منه، أو يساهم في تشويه سمعة شخص بكلمة أو تعليق أو رسالة لا تستغرق سوى ثوانٍ، بينما قد يستغرق إصلاح آثارها سنوات.
وأخطر ما في النميمة الإلكترونية أنها لا تكتفي بنقل الكلام، بل تصنع واقعا جديدا، حيث تتحول الإشاعة إلى حقيقة في أذهان الناس بمجرد كثرة تداولها، ويتحول الإنسان إلى موضوع للمحاكمة الرقمية دون دليل، ويصبح عدد الإعجابات والمشاركات بديلا عن الحقيقة، والإثارة بديلا عن الحكمة.
لقد تحولت بعض الفضاءات الرقمية إلى ساحات للتناطح اللفظي، والتشهير، والتنمر، والاستفزاز، وإطلاق الأحكام الجاهزة، حتى أصبح الاختلاف في الرأي يبرر عند البعض الإساءة إلى الكرامة الإنسانية، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ فهي ليست أزمة تكنولوجيا، بل أزمة قيم، لأن الوسائل تظل محايدة، أما الذي يمنحها بعدها الأخلاقي أو اللاأخلاقي فهو الإنسان.
إن العالم الرقمي اليوم في حاجة ملحة إلى أخلاقٍ للتواصل، تجعل الحرية مرتبطة بالمسؤولية، والكلمة مرتبطة بالضمير، والاختلاف قائما على الاحترام لا على الإهانة، والنقد قائما على الحجة لا على التشهير، فحرية التعبير لا تكتمل إلا حين تقترن باحترام الإنسان، لأن الكلمة التي تبني الوعي هي نفسها قد تهدم إنسانا إذا تجردت من الأخلاق.
لكل هذه الأسباب، فالمستقبل الرقمي لن تحدده سرعة الإنترنت ولا تطور التطبيقات، بل ستحدده جودة الإنسان الذي يستخدمها، فإما أن نجعل من الفضاء الرقمي مجالا للحوار والمعرفة والتعاون، وإما أن نتركه يتحول إلى سوق مفتوحة للنميمة والإشاعة والكراهية. وبين هذين الخيارين، تبقى أخلاق التواصل هي الضامن الحقيقي لإنسانية العالم الرقمي.

