تعيش جماعة باب برد، التابعة لإقليم شفشاون، مفارقة صارخة بين غنى مجالها الطبيعي وتراكم مظاهر الفقر والهشاشة التي تطبع الحياة اليومية لساكنتها. فالمنطقة، المعروفة تاريخيا بزراعة القنب الهندي أو ما يفضل السكان تسميته بـ«الكيف»، لا تزال تعاني من خصاص واضح في البنيات والتجهيزات الأساسية، في وقت يؤكد فيه سكان محليون أن الجماعة كانت خلال سبعينيات القرن الماضي أكثر جمالا وتنظيما مما هي عليه اليوم.
وإذا سألت أي مواطن بالجماعة سيقول لك إن “تعاقب المجالس المنتخبة والسلطات لم ينجح في إحداث تحول حقيقي يواكب التطورات التي عرفتها مناطق أخرى من شمال المغرب”.
وتتجسد مظاهر التهميش بشكل لافت في السوق الأسبوعي، الذي يستقبل كل يوم اثنين آلاف المواطنين من باب برد ومحيطها، لكنه يفتقر، بحسب شهادات محلية، إلى أبسط شروط النظافة والسلامة الصحية، الأزبال تنتشر في أرجائه، بينما تتحول أرضيته إلى برك من الأوحال خلال التساقطات المطرية، في ظل غياب مجزرة عصرية تستجيب للمعايير الصحية واستمرار مظاهر الذبح غير المنظم، كما يشتكي تجار اللحوم من عدم توفر الجماعة على وسيلة مخصصة لنقل اللحوم في ظروف ملائمة، فيما يثير وضع فضاء بيع الأسماك بدوره مخاوف مرتبطة بالتبريد والنظافة، خصوصاً أن المنتجات السمكية تصل إلى السوق بعد قطع مسافات طويلة.
ولا تتوقف مظاهر الهشاشة عند الأسواق، إذ تعاني مناطق واسعة من الجماعة من تدهور الطرق والمسالك، ما يزيد من عزلة السكان، خصوصا خلال فصل الشتاء حين تتضاعف صعوبة التنقل بسبب الأمطار والتساقطات الثلجية، ويزداد الوضع تعقيدا في المجال الاجتماعي والاقتصادي، حيث يتحدث نشطاء جمعويون عن ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، مشيرين، وفق تقديرات غير رسمية، إلى وجود أكثر من 700 حامل للإجازة دون عمل، وفي المقابل، تستقطب المنطقة مئات الشباب القادمين من مناطق مختلفة للعمل في حقول زراعة «الكيف»، في مشهد يعكس محدودية البدائل الاقتصادية وفرص الشغل المتاحة محلياً.
أما الخدمات الصحية، فتظل واحدة من أكثر الملفات إثارة للقلق، في جماعة يتجاوز عدد سكانها 24 ألف نسمة، بينما يرتكز المركز الصحي المحلي، وفق المعطيات الواردة، على طبيب واحد لا يستطيع تغطية مختلف الحالات، خصوصا الاستعجالية منها، ما يجعل الإحالة على مستشفيي شفشاون وتطوان أمرا متكررا.
ويؤكد السكان أن صعوبة التنقل في التضاريس الجبلية، ولا سيما خلال فترات سوء الأحوال الجوية، قد تعقد وصول المرضى إلى العلاج في الوقت المناس.
وبين حقول «الكيف» التي ظلت لعقود جزءا من اقتصاد المنطقة، وبنيات تحتية متقادمة، وبطالة متزايدة وخدمات أساسية محدودة، تظل باب برد أمام معادلة صعبة، فهي أرض غنية بما تنتجه، لكنها لا تزال عاجزة عن منح أبنائها ما يكفي من شروط العيش الكريم.

