يُعتبر إقليم شفشاون، بما يمتاز به من بيئة هادئة وخصوصيات اجتماعية وثقافية، إحدى المحطات الإدارية والمهنية التي تستقطب سنويا عددا من الموظفين الجدد في قطاعات متعددة، من الأمن الوطني إلى الإدارة الترابية، ومن المياه والغابات إلى الجماعات الترابية، فضلا عن قطاع التعليم، غير أن ما يلفت الانتباه هو أن هذه الكفاءات الوافدة غالبا ما تقضي بالإقليم فترة وجيزة، لا تتعدى بضع سنوات، قبل أن تنتقل إلى أقاليم ومدن أخرى، تاركة فراغا في المواقع التي كانت تشغلها.
وهذا الواقع جعل من شفشاون، في نظر العديد من المتابعين، أشبه بـ “قنطرة عبور” أو “مدرسة تكوين ميداني” للموظفين، حيث يتلقون تجربتهم العملية الأولى ويصقلون مهاراتهم، قبل أن يغادروا نحو وجهات جديدة، ورغم أن الحركة الانتقالية حق مشروع يهدف لتحسين ظروف العمل والعيش، إلا أن انعكاساتها على إقليم شفشاون تطرح إشكاليات واضحة، خاصة عندما يصبح الإقليم مجرد محطة تدريب قصيرة الأمد، بينما يحتاج في الأصل إلى تراكم الخبرات واستثمار الكفاءات على المدى الطويل.
والخسارة لا تكمن فقط في فقدان موظف أو إطار متمرس، بل في فقدان سنوات من الخبرة التي كان من الممكن أن تُترجم إلى تحسين جودة الخدمات العمومية، ورفع مردودية الإدارات، وتطوير أداء القطاعات الأمنية والبيئية والجماعية، فالمواطنون بدورهم، وهم الحلقة الأهم، يجدون أنفسهم أحيانا ضحية هذا التبدل السريع للأطقم، إذ يتعاملون مع أطر جديدة لا تزال في مرحلة التعرف على خصوصيات الإقليم، ما قد يؤدي إلى ارتكاب أخطاء أو بطء في الأداء.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في آليات التوظيف والحركة الانتقالية، بحيث تُربط مدة الخدمة في الإقليم بسقف زمني معقول، يتيح للمؤسسات والمجتمع المحلي الاستفادة من الكفاءات الجديدة قبل مغادرتها، ويمكن مثلا اعتماد شرط قضاء خمس إلى سبع سنوات من العمل الفعلي قبل فتح باب الانتقال، مع توفير تحفيزات مهنية ومعيشية تشجع الموظفين على الاستقرار لفترة أطول.
كما أن الاستثمار في الكفاءات المحلية أو الوافدة، ومنحها الوقت الكافي لتترك بصمتها الإيجابية، ليس رفاهية، بل هو شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة بالإقليم، وبدون ذلك، ستظل شفشاون تدفع ثمن كونها مجرد محطة مؤقتة في المسار المهني للكثيرين، بدل أن تكون وجهة للاستقرار والعطاء.

