تستشعر الأوساط السياسية بإقليم شفشاون، في الآونة الأخيرة، اهتزازات ارتدادية لموجة من التحولات العميقة، التي وضعت الإقليم تحت مجهر المراقبة المركزية بعد سنوات من الاعتقاد السائد بكونه “منطقة ظل” بعيدة عن المساءلة، وهذا المشهد المتسارع، الذي يتسم بـ”حركية غير عادية”، يأتي في سياق وطني يربط المسؤولية بالمحاسبة.
وعلى صعيد آخر، تدور خلف الستار مشاورات مكثفة تتجاوز في أبعادها الحدود الإقليمية لتتقاطع مع أجندات وطنية، تهدف إلى إعادة رسم معالم الخريطة السياسية لشفشاون، وهذه التحركات، التي تتم بكثير من الحذر والتكتم، تكشف عن بروز وجوه جديدة تمتلك الرغبة في خوض غمار التجربة السياسية، مستندة إلى خطاب يقطع مع إرث “الوجوه المستهلكة”.
واعتبرت مصادر سياسة مطلعة أن القوة الانتخابية التي كانت تتمتع بها بعض الأعيان والوجوه التقليدية، لم تعد تشكل ضمانة للاستمرار في المسؤولية السياسية؛ إذ إن التحولات السوسيولوجية وتنامي الوعي لدى الساكنة أديا إلى تآكل القواعد الانتخابية لهذه النخب، التي باتت تواجه مطالب شعبية متصاعدة بالرحيل عن المشهد العام، وهذا “النفور الشعبي” يضع الأحزاب السياسية أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في ضرورة تجديد نخبها والبحث عن كفاءات قادرة على استعادة الثقة المفقودة.
وتتجه الأنظار اليوم نحو كيفية تدبير المرحلة الانتقالية؛ فحالة “الريبة والشك” التي تحيط بالوجوه القديمة تفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات متعددة، فمن جهة، تحاول النخب التقليدية استعادة توازنها عبر تفعيل شبكات المصالح القديمة، ومن جهة أخرى، يبرز تيار يراهن على التغيير الجذري، مدعوما بمناخ عام يميل نحو “تطهير” المشهد السياسي من الشوائب التي التصقت به لسنوات.
والترقب الذي يسود الدهاليز السياسية بشفشاون ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تلاقي مسارين، مسار إداري رقابي صارم، ومسار سياسي يتطلع نحو إفراز نخب بديلة، كما أن نجاح هذه المرحلة رهين بقدرة الفاعلين الجدد على تقديم بدائل واقعية، وبمدى جدية المؤسسات في استكمال مسار الإصلاح الإداري، لضمان عدم عودة الإقليم إلى “مربع الإهمال” الذي كلفه الكثير من الزمن التنموي الضائع.
يهذا وظل إقليم شفشاون، بكل تعقيداته الجغرافية والسياسية، نموذجا للمناطق التي تعيش مخاضا عسيرا نحو التغيير؛ حيث إن الحقيقة الثابتة الآن هي أن “الخريطة القديمة” قد تمزقت، وأن ملامح “العهد الجديد” ترتسم ببطء، ولكن بثبات، تحت أنظار مراكز القرار التي لم تعد تقبل بأن يظل الإقليم خارج دائرة الضوء والمحاسبة.

