في لحظة احتفالية احتفت بالمسرح المغربي في أبعاده الشعبية والجمالية، وبالأخص بفن “مسرح الشارع” توج عرض “سميميع الندى”، الذي قدمه محترف عمي بوسلهام للحكاية الشعبية، بجائزة العرض المتكامل ضمن فعاليات مهرجان الخلخال للمسرح بمدينة سطات، في تتويج اعتُبر اعترافا فنيا بقيمة تجربة استطاعت أن تجعل من الحكاية الشعبية جسرا نابضا بين الذاكرة والفرجة، وبين أصالة الموروث وأسئلة المسرح المعاصر.
ويأتي هذا التتويج ليمنح العرض مكانته المستحقة ضمن تجربة مسرحية اختارت أن تنبش في عمق الذاكرة الشفوية المغربية، وأن تستعيد إحدى حكاياتها الشعبية ذات الحمولة الرمزية، مقدمة إياها في قالب مسرحي يستثمر طاقة الحكي، وقوة الأداء، وفاعلية التواصل المباشر مع الجمهور.
ويستمد عرض “سميميع الندى” مادته من شخصية شعبية عجائبية ارتبطت بقدرتها الاستثنائية على سماع ما لا يسمعه الآخرون، وهي قدرة تتجاوز بعدها الحكائي لتفتح إمكانات واسعة للتأويل؛ إذ يتحول السمع في بنية العرض من خاصية خارقة إلى استعارة للوعي والانتباه والقدرة على النفاذ إلى ما وراء الظاهر.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحكاية مجرد استعادة لمتن شعبي قديم، بل تتحول إلى مادة فنية قابلة لإعادة القراءة، بما يجعل المسرح فضاء لإحياء الذاكرة لا لتحنيطها، ولإعادة إنتاج الموروث لا لمجرد استنساخه.
وقد شكل الأداء المتميز للفنانين ياسين عفيفي وعبد الحق الشعيبي أحد أبرز عناصر قوة العرض، من خلال قدرة لافتة على الجمع بين الحكي والتشخيص، وبين حضور الراوي وانخراط الشخصية، في أداء يستثمر الجسد والصوت والإيقاع باعتبارها أدوات أساسية في بناء الفرجة.
وأبان الفنانان عن احترافية عالية في إدارة العلاقة مع الجمهور، حيث لم يُقدَّم المتلقي باعتباره مشاهدا سلبيا، بل شريكا في إنتاج اللحظة المسرحية. وقد نجح العرض في استدراج الجمهور إلى عالم الحكاية عبر فرجوية راقية، تقوم على التفاعل والدهشة وخفة الأداء، دون أن تنزلق إلى الابتذال أو الصخب المجاني.
وتكتسب جائزة العرض المتكامل دلالتها من كونها تحتفي بتجربة لم تعتمد على عنصر منفرد، بل على تآزر مجموعة من العناصر الفنية والجمالية؛ من اختيار المادة الحكائية، إلى البناء الأدائي، مرورا بالإيقاع والتواصل مع الجمهور، وصولا إلى القدرة على تحويل الحكاية الشعبية إلى حدث مسرحي حي.
وفي هذا السياق، يمثل تتويج “سميميع الندى” أكثر من مجرد فوز بجائزة؛ إنه احتفاء بإمكانات الحكاية المغربية حين تجد من يعيد صياغتها بوعي فني، واعتراف بأن المسرح الشعبي قادر على الجمع بين أصالة المرجع وقوة التعبير، وبين البساطة الجمالية والعمق الدلالي.
كما يبرز هذا التتويج قيمة التجارب المسرحية التي تنصت إلى الذاكرة المحلية، وتمنحها فرصة جديدة للعبور إلى الحاضر. فالحكاية الشعبية لا تبقى حية لأنها محفوظة في الذاكرة فقط، بل لأنها تجد من يبعثها من جديد، ويمنحها جسدا وصوتا وفضاء.
وبتتويجه بجائزة العرض المتكامل، يكون «سميميع الندى» قد أضاف صفحة جديدة إلى مساره، مؤكدا أن المسرح، حين يلتقي فيه صدق الحكاية بوعي الفنان، لا يكتفي بصناعة الفرجة، بل يصنع أثرا.
وهكذا، غادر «سميميع الندى» فضاء الحكاية إلى فضاء التتويج، حاملا معه ذاكرة المغرب الشعبي، ومثبتا أن قطرة الندى التي لا يكاد يسمع سقوطها أحد، قد تتحول، فوق الخشبة، إلى صوت يصل إلى الجميع.

