يعدّ الحديث عن واقع البحث العلمي داخل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، موضوعا متشعبا يستدعي وقتا وجهدا كبيرين للإحاطة بكل أبعاده واختلالاته، غير أن الوقوف عند بعض المؤشرات والمعطيات المتاحة كفيل بتكوين صورة أولية عن الوضع العام. فالإحصائيات الصادرة عن الهيئات الوطنية والدولية المتخصصة في تصنيف الجامعات، إلى جانب ما يُنشر على المواقع الرسمية للكلية والجامعة، تكشف بوضوح عن محدودية الحضور العلمي الحقيقي، حيث لا تتجاوز قيمة عدد من الأنشطة المعلنة بعدها الشكلي، وغالبا ما تختزل في صور وتعليقات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وانطلاقا من هذا السياق، يمكن استحضار نموذجين لنشاطين علميين احتضنتهما الكلية مؤخرا، لما يحملانه من دلالات عميقة تسمح بتشخيص واقع البحث العلمي داخل هذه المؤسسة الجامعية.
يتعلق النموذج الأول بنشاط علمي نظم يوم 20 نونبر 2025، تمثل في درس افتتاحي للموسم الجامعي حول موضوع «جدوى التاريخ وصنعة المؤرخ»، ببادرة من طلبة نادي الدراسات التاريخية والتراث الثقافي، وتحت إشراف أحد أساتذة شعبة التاريخ والحضارة، وفقا للمساطر الإدارية المعمول بها. وقد تكفل الطلبة بجميع الترتيبات التنظيمية واللوجستية، ونجحوا في استقطاب عدد مهم من الطلبة والمهتمين، حيث ساد اللقاء جو من الجدية والانضباط العلمي.
غير أن هذا النشاط لم يخلُ من توتر مفاجئ، إثر اقتحام مجموعة من المنتمين للحركة الطلابية لقاعة المحاضرات في محاولة لتعطيل اللقاء، ما أدى إلى توقفه لما يقارب أربعين دقيقة، ورغم استئناف النشاط لاحقا واستكماله في إطار نقاش علمي رصين، فإن ما يلفت الانتباه هو الغياب التام لأي حضور أو تدخل من طرف إدارة الكلية، سواء قبل النشاط أو أثناءه أو بعده، رغم رمزيته العلمية وأهميته الأكاديمية.
كما يثير الاستغراب اضطرار الطلبة إلى تمويل أبسط مستلزمات النشاط من تبرعاتهم الخاصة، في ظل غياب أي دعم مادي أو معنوي، ناهيك عن الإحساس العام بانعدام الأمن خلال فترة التوقف دون أي تدخل إداري.
أما النموذج الثاني، فيرتبط بندوة دولية نظمت يومي 4 و5 دجنبر 2025 بقاعة العميد محمد الكتاني، تحت عنوان:
La Maurétanie tingitane dans l’Antiquité tardive : nouveautés et défis، بمشاركة نخبة من الباحثين المغاربة والأوروبيين المتخصصين في علم الآثار والتاريخ القديم. وقد شكل هذا اللقاء فرصة علمية متميزة، كان من الممكن استثمارها لفتح آفاق التعاون الأكاديمي، وتعزيز موقع الكلية في محيط البحث العلمي الوطني والدولي.
غير أن هذه المناسبة العلمية الرفيعة قوبلت، بدورها، ببرود واضح من طرف الجهات المسؤولة عن تدبير الشأن العلمي بالمؤسسة. فلم تحظَ الندوة بالدعم المالي الكافي، واضطر الأستاذ المنظم إلى مواجهة أعباء التنظيم شبه منفرد، في ظل وعود لم تُفَعَّل، وميزانيات وُصفت بأنها موجودة شكليا فقط. والأكثر دلالة أن الكلية عجزت عن توفير مبلغ مالي بسيط لا يتجاوز ثلاثين ألف درهم لتنظيم نشاط علمي دولي، ما يعكس حجم الهشاشة التي بات يعانيها البحث العلمي داخل المؤسسة.
وتكشف هاتان التجربتان، بما لا يدع مجالا للشك، عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي حول تشجيع البحث العلمي، والواقع الممارس داخل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، فالبحث العلمي يبدو، في كثير من الأحيان، مجرد شعار يُرفع دون أن يترجم إلى سياسات فعلية أو دعم ملموس. كما يتضح أن هذا المجال لم يعد ضمن أولويات القائمين على تدبير المؤسسة، في ظل انشغالهم بقضايا أخرى، على حساب جودة التكوين الجامعي، وتحفيز الأساتذة، وتوفير بيئة علمية تليق بطموحات الطلبة والباحثين.
هذا ويعتبر استمرار هذا الوضع ينذر بتراجع خطير في مستوى الإنتاج العلمي، ويفرض فتح نقاش جاد ومسؤول حول موقع البحث العلمي داخل الجامعة، وسبل إعادة الاعتبار له باعتباره ركيزة أساسية لأي مشروع جامعي طموح.

