تتحول التكنولوجيا في إقليم شفشاون من وسيلة تواصل إلى جدار صلب يعزل آلاف المواطنين عن عالمهم، ولم تعد قضية ضعف التغطية مجرد “عطب تقني” عابر، بل تحولت إلى شلل تام يضرب مفاصل الحياة اليومية، واضعةً ساكنة جماعات بأكملها، وعلى رأسها بني أحمد الشرقية وجماعة المنصورة، في سجن جغرافي ورقمي لا مخرج منه.
وما يحدث اليوم في هذه المناطق يتجاوز حدود الصبر؛ فمنذ التغييرات التقنية الأخيرة التي أجرتها شركة “اتصالات المغرب”، دخلت المنطقة في نفق مظلم من انعدام الشبكة، وهذا الانقطاع لم يقتصر على الفاعل التاريخي فحسب، بل امتد كعدوى تقنية ليشمل شركتي “أورونج” و”إنوي”، مما جعل الهواتف المحمولة مجرد قطع حديدية بلا قيمة في جيوب أصحابها.
المعاناة هنا تكتسي صبغة إنسانية حارقة؛ فالحق في التواصل، الذي تضمنه المواثيق الدولية والدستور المغربي، أضحى ترفاً بعيد المنال، والمواطن في هذه الجبال لم يعد قادرا على الاطمئنان على ذويه، أو طلب نجدة طبية مستعجلة، أو حتى إجراء مكالمة روتينية بسيطة، والواقع عزلة تامة تعيد المنطقة عقودا إلى الوراء، وتضرب في العمق كرامة الإنسان الذي يجد نفسه عاجزا عن أبسط حقوق المواطنة الرقمية.
وخلف أسوار المدارس في بني أحمد والمنصورة، تدور مأساة صامتة، الأساتذة، المطالبون بمواكبة الرقمنة وتعبئة المعطيات عبر المنظومات المركزية، يجدون أنفسهم أمام حائط مسدود، وغياب “الأنترنت” حوَّل العمل التربوي إلى جحيم يومي، حيث يضطر المدرسون لقطع مسافات طويلة وتكبد عناء السفر نحو أقرب مدينة بحثا عن “الويفي” يمكنهم من أداء واجبهم المهني.
وهذا الوضع لا يظلم الأستاذ وحده، بل يرهن مستقبل التلاميذ الذين يجدون أنفسهم في فجوة رقمية سحيقة مقارنة بأقرانهم في المدن، والتعليم الذي يرفعه المسؤولون شعارا للتنمية، يلفظ أنفاسه في هذه الجماعات بسبب إهمال شركات الاتصالات لالتزاماتها بدفاتر التحملات التي تفرض تعميم التغطية وجودتها.
ومن جهة أخرى، المصالح الإدارية والخدمات العمومية التي تعتمد كليا على الأنترنت توقفت محركاتها، فأصحاب المهن الحرة، والشباب الذين يحاولون خلق فرص شغل عن بعد، تبخرت أحلامهم أمام شاشة هاتف تكتب “لا توجد خدمة”، وهذا الحرمان الرقمي يؤدي مباشرة إلى خسائر مادية واجتماعية، ويعمق الشعور بالإقصاء والتهميش لدى ساكنة إقليم شفشاون.
والوضع في بني أحمد الشرقية والمنصورة وجماعات أخرى يسائل مباشرة الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) والشركات الثلاث المعنية.
هذا وتطالب ساكنة الإقليم بالحد الأدنى من الكرامة الرقمية، واستمرار هذا الوضع هو دفع ممنهج نحو الإقصاء المتعمد، واستهتار صارخ بمصالح المواطنين الذين يؤدون فواتير خدمات لا يستفيدون منها.

