شهدت فعاليات الملتقى الإقليمي الثاني لمسرحة المناهج بإقليم شفشاون بروزا لافتا لتلاميذ مجموعة مدارس عبد العالي بنشقرون، والذين خطفوا الأضواء بفضل التأطير المتميز للأستاذ محمد الفحصي، حيث نجح هذا المشتل التربوي في صياغة حضور ميداني قوي ومبهر فوق خشبة العرض.
وجسد تلاميذ المؤسسة عرضهم الفني بكفاءة عالية وتناغم حركي لافت، إذ بدت ملامح الثقة والانسجام واضحة على أدائهم الفردي والجماعي، بينما علت وجوههم ابتسامات شفافة وناعمة تعكس عمق الفرحة الطفولية بالانتماء إلى فضاء الإبداع المدرسي، ولم يقتصر التميز على ضبط النصوص والحركات بل تعداه إلى مستوى التفاعل الوجداني مع اللوحة الفنية المشخصة.
ويكشف هذا التألق المدرسي عن الأهمية البالغة التي يكتسيها أبو الفنون والأنشودة في حياة الناشئة، فالأمر لا يتعلق بمجرد أنشطة موازية لتأثيث الزمن المدرسي بل يمثل ركيزة بيداغوجية أساسية لتجويد التحصيل الدراسي، إذ يسهم المسرح بشكل مباشر في تبسيط المفاهيم العلمية والإنسانية المعقدة ويحيلها إلى قوالب بصرية ملموسة يسهل استيعابها وترسيخها في أذهان المتعلمين، وتثبت هذه المبادرات الإقليمية أن إدماج الفن في المنظومة التعليمية يرفع من معدلات الذكاء الاستيعابي ويخلق بيئة تربوية جاذبة تقطع مع الرتابة والتلقين التقليدي.
وتتجاوز أبعاد المسرح المدرسي حدود اللحظة الراهنة لتلقي بظلالها الإيجابية على تشكيل المستقبل الدراسي والمهني للتلاميذ، فالوقوف فوق خشبة المسرح ومواجهة الجمهور يكسر حاجز الخوف والانطواء لدى الطفل، ويمنحه آليات التعبير الجسدي واللفظي السليم، مثلما ينمي لديه مهارات الحفظ السريع والتركيز الذهني الفائق، وهي مكتسبات ومنعطفات مهارية ترافقه في مساره الأكاديمي وتجعل منه عنصرا متفوقا قادرا على تدبير الامتحانات الشفوية والكتابية بثبات وثقة عالية.
وينعكس هذا التكوين الفني الرصين على بنية الشخصية المستقبلية للمتعلم، فالأدوار المركبة والعمل الجماعي داخل الفرقة المسرحية يغرسان في نفوس الأطفال قيم القيادة والمسؤولية والقدرة على الاشتغال ضمن فريق، فضلا عن كونه يصقل الذوق الجمالي ويهذب السلوك المدني لديهم، وتأسيسا على هذا البناء السيكولوجي السليم ينمو الطفل متمتعا بشخصية متوازنة، مرنة، ومحصنة ضد مظاهر العنف أو الانحراف، ويمتلك كفايات الحوار البناء والنقد الموضوعي مما يجعله مواطنا فاعلا وصانعا للتغيير الإيجابي في مجتمعه.
ويفتح هذا النجاح الباهر الباب أمام ضرورة مأسسة وتعميم تجارب مسرحة المناهج بجميع المؤسسات التعليمية التابعة للإقليم، لكونها تمثل المدخل الحقيقي لبناء المدرسة الرائدة المتجددة التي تنشدها الإصلاحات التربوية الراهنة، ويظل الاستثمار في الطاقات الإبداعية للأطر التعليمية، على غرار المجهودات المبذولة في هذا العرض، هو الضمانة الأساسية لانتقال المنظومة من شحن الذاكرة إلى تنمية الفكر، وصناعة جيل متكامل الشخصية يجمع بين الكفاءة المعرفية والتميز القيمي والفني.

