بدأت ملامح المعركة الانتخابية ترتسم مبكرا في إقليم شفشاون، حيث انخرط رؤساء الجماعات الراغبون في تجديد ولاياتهم في سباق محموم لنسج خيوط حملاتهم قبل الأوان، وتجاوزت هذه التحركات جدران المقرات الرسمية لتتخذ من منصات التواصل الاجتماعي ساحة لبث رسائل سياسية موجهة، تتوازى مع لقاءات ميدانية مكثفة تارة في الأسواق الأسبوعية النابضة بالحياة وتارة أخرى في المقاهي وعلى جنبات الطرقات الجبلية، يسعون من خلالها إلى تسويق وعود بمشاريع تنموية تستهدف فئة الشباب التي تشكل الرقم الصعب في المعادلة القادمة.
وتهيمن لغة التبرير وتجميل الغياب على خطاب البروفايلات السياسية الحالية، إذ يسارع هؤلاء الزمن لإعادة ترميم جسور الثقة التي تصدعت مع ناخبيهم، مستخدمين مشاريع مستقبلية كطعم لاستمالة الأصوات المترددة، ويحاول الفاعلون السياسيون بكل ثقلهم إقناع القواعد الانتخابية بأن المرحلة المقبلة ستحمل تغييرا ملموسا في الواقع المعيشي، خاصة في ظل تصاعد حدة الانتقادات الموجهة لتدبيرهم السابق، مما يجعل من هذه التحركات محاولة أخيرة لزرع التفاؤل في نفوس من فقدوا الإيمان بالوعود المكررة.
ويتوجس الطامحون للعودة إلى كراسي المسؤولية من تحول عميق قد يكون طرأ على وعي الكتلة الناخبة داخل الإقليم، فثمة إدراك متزايد بأن الفهم السياسي لدى المواطن لم يعد كما كان في السابق، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام فرضية العقاب الانتخابي الذي قد يطيح بأسماء عمرت طويلا في المشهد المحلي، حيث تعيش الجماعات التي كانت تعتبر حصونا آمنة حالة من الترقب، خوفا من انقلاب الموازين نتيجة نضج الرؤية السياسية لدى فئات عريضة بدأت تضع الحصيلة التدبيرية تحت مجهر المساءلة.
ويبرز انقسام حاد في القراءات السياسية حول طبيعة الصراع الانتخابي بالإقليم، فبينما يراهن البعض على الوعي المتنامي، يرى آخرون أن الانتخابات في هذه الرقعة الجغرافية لا تزال تدار بمنطق الأشخاص والعلاقات والولاءات القبلية، وتغيب الألوان الحزبية والبرامج السياسية النظرية أمام سطوة الحضور الشخصي والنفوذ الميداني، مما يجعل من المعركة صراعا حول الهيبة والقدرة على الحشد بعيدا عن أي توجه إيديولوجي واضح، وهو ما يكرس استمرارية أنماط انتخابية تقليدية تتجاوز حدود الانتماء الحزبي الضيق.
وتتحول ردهات الجماعات والمرافق العمومية في الآونة الأخيرة إلى خلايا تفكير لإعداد المخططات الانتخابية، حيث يتم استغلال كل فرصة عرضية للترويج لمنجزات يراها البعض “حبرا على ورق” بينما يدافع عنها الرؤساء باستماتة، ويظهر التركيز جليا على قطاع الشباب عبر اقتراح مشاريع مهنية ورياضية واجتماعية، في محاولة لمحاصرة اليأس الذي دفع بالكثيرين نحو العزوف، وتعمل هذه “البروفايلات” على استثمار كل ثقلها لتغيير الانطباعات السلبية، محاولين تقديم أنفسهم في ثوب المنقذ القادر على استكمال أوراش التنمية المؤجلة.
وتبقى جبال إقليم شفشاون شاهدة على هذا الحراك السياسي المبكر الذي يخلط بين الواجب المهني والطموح الشخصي، وتظل الأيام المقبلة كفيلة بكشف مدى قدرة هذه التحركات على الصمود أمام اختبار الصناديق، فبين وعود المشاريع المغرية وواقع الوعي السياسي المتشكل، يجد الناخب بإقليم شفشاون نفسه أمام مفترق طرق حقيقي، فهل يستمر في منح الثقة بناء على الأشخاص والوعود الشفهية، أم يختار تفعيل آلية العقاب السياسي لإعادة ترتيب البيت الداخلي للجماعات الترابية بما يخدم مصلحة الإقليم وتنميته المستدامة؟

