إذا ما استرجعنا اليوم، ونحن في العقد الثالث من الألفية الثالثة، الصراع الذي طبع الحياة السياسية منذ فجر الاستقلال، وباستقراء متغيرات الواقع، نخلص إلى نتيجة مركزية، وهي أن البلاد دفعت ثمنا مكلفا جراء هذا الصراع الذي فوّت عليها فرصًا عظيمة للتنمية البشرية والنهوض الاقتصادي والرقي الاجتماعي. هذا الاستنتاج ليس حقيقة مطلقة، فمحكمة التاريخ وحدها الكفيلة بالحكم على هذه الحقبة من تاريخ المغرب السياسي المعاصر.
ومع ذلك فإن الإقرار به ما فتئ يتواتر على ألسنة بعض الذين كانوا ضحايا المرحلة، سواء بالاقتناع المتأخر أو بالتغرير. بل منهم من اعتبر ذلك الصراع السيزيفي أُريد له وبه إفناء قوة المجتمع وتعطيل قدراته الكامنة، والتي كان بالإمكان أن تشكّل الطاقة اللازمة لدفعة نحو الأمام على أسس من التوافق البنّاء، فبقليل من النضج السياسي والحدس التاريخي كان بإمكان القوى الديمقراطية تجنيب البلاد المآل الذي آلت إليه، والذي غدا مرثية للجميع، الكل يتبرأ منه بإلقاء المسؤولية على الطرف الثاني: النظام/المعارضة. كما أن الكل أدرك متأخرًا فضيلة التوافق ومحاسنه.
وليس مهما البحث في الدوافع ولا النوايا التي انتهت ببعض جهابذة اليسار التقدمي إلى الإقرار بهذه الخلاصة والردّة على النفس. أهي المراجعة النقدية لمنطلقاتهم الفكرية التي آمنوا بها، أم هو النضج السياسي، أم الجزاء المجزي؟
تأكيدا لا تهم الخلفيات والقناعات الجديدة، المهم هو التوجّه نحو المستقبل باستنفار وتعبئة كل طاقات المجتمع وأركانه السياسية والاجتماعية والحضارية، ولكي تكون التعبئة شاملة ومنتجة لا بد أن تكون الرؤية واضحة، والأهداف والغايات معلومة ومعلنة. بمعنى آخر، يجب أن تمتلك الأطراف السياسية مشاريع مجتمعية متنافسة، وفي ذات الوقت متساوقة مع خصوصية المجتمع وطموحاته وآماله في العدالة الاجتماعية والعيش الكريم، مما يقوي عنده روح الانتماء للوطن والاستعداد الدائم للانخراط الطوعي في بناء المستقبل المأمول.
إن جوهر الأزمة اليوم هو غياب المشاريع الواقعية القابلة للتحقيق، التي تؤخذ بعين الاعتبار درجة وعي المجتمع ومستواه الاقتصادي والثقافي كرؤية متوسطة المدى، تؤسس للمشروع النهضوي الشامل على مدى عقدين كحد أقصى. فمن يملك المشروع المجتمعي بهذه المواصفات؟
الأحزاب السياسية.. إفلاس مع وقف التنفيذ
قطعا أحزابنا لا تملك مثل هذا المشروع لا في برامجها ولا في أدبياتها السياسية، فأقصى ما نجده عندها برامج انتخابية موسمية مدبّجة بلغة خشبية لا تتبدل وتتشابه فيما بينها كأنها فاضت من قلم واحد. فواقع الأحزاب يطبعه التشرذم والنكوصية، وهي أشباح بلا ملامح، وبلا هوية ولا بوصلة، عقيمة وطاردة إلا من الانتهازيين الذين يتكسبون من ريعها السياسي.
وهذه قناعة أدركها الجميع وتؤيدها جملة قرائن، لعل أبلغها انصراف الجمهور عن هذه الأحزاب يمينها ويسارها، وهو إقرار قابل للقياس من خلال عدد المنتمين الفعليين وعدد الأصوات الحقيقية التي تحصل عليها في الاستحقاقات الانتخابية. والانصراف عن الأحزاب ليس نابعا من علّة الكفر بها، فهي ركن من أركان المجتمع السياسي الحديث، بل من عدم جدوى هذه الأحزاب بواقعها المأزوم المحبط إلى درجة اليأس وفقدان الثقة بها، وليس فيها أملس. فالأحزاب التي تسم نفسها باليسارية والتقدمية انقطعت عن منبعها وظلت المصب والمرسى.
وكبير التقدميين، أي الاتحاد الاشتراكي، أضحى معمارا تاريخيا أفقده الاتحاديون الجدد النكوصيون أصله وفصله، وحوّلوه من إرث جماهيري إلى ملكية يتنازع عليها ما تبقى من الورثة الشرعيين ورهط من واضعي اليد. الصغار والكبار الكل ضد الكل، والكل يتوسل الوسيلة الأنجع للانقضاض على البيت الاتحادي العتيق ليهدمه ويشيّد فوق أنقاضه برجا عصريا مشوّه الملامح والهندسة، يحرسه عَسَس شداد غلاظ – والكراسي الخشبية التي جلس فوقها الآباء المؤسسون – لم تعد تناسب الورثة الجدد الذين ألفوا في زمن قياسي الكراسي الوثيرة الدوارة.
ولأن البرج الجديد أوسع من البيت القديم فقد شرعوا الأبواب لسياح السياسة ليدخلوا هذا الفندق السياسي ذي الخمسة نجوم، ما دام دخوله غدا مغنما وليس مَخسرا. فالتحاد فقد، بل أفقدوه عذريته الأخلاقية، فلا يهم اليوم أن تكون نخّاسًا في السوق السياسية أو سارقا للمال العام – أموال القوات الشعبية – فحَضن الاتحاد أصبح رحبا بما وسِع، وضاق بأهله. وغدا مقاولة سياسية لتبييض الثروة والسيرة الذاتية. لم يعد حزبا جماهيريا صاحب مشروع مجتمعي قابل للتطور والتأقلم مع المتغيرات الذاتية والمجتمعية والعالمية.
أما فلول اليسار الراديكالي الموحد على تجزيء العجز، فهي مجرد سرب طير ضلّ طريق وكَره، وما زال يحلّق في السماء حتى يجد أرضا وأرضية يحط فوقها. ولذلك نجد فيه الحالم والواقعي والتوافقي والمتردد والمرتد وحتى المتزلف، وهو أعجز من أن يكون صاحب مشروع.
وفي مقابل هذا الجزء من الصورة نجد اليمين الذي وُلد من رحم السلطة التي كفلته كفالة اليتيم ورعته، ويسّرت له سبل الارتقاء السياسي، فعاش مدللا متواكلا، وما إن غاب عرّابه حتى هزّه شعور اليُتم والضياع، وهو يعيش في غيبوبة سياسية مزمنة… هذا الرهط الحزبي همّه الوحيد الحفاظ على المنهوب من المال العام والمكنوز من الثروة الوطنية أيام مجده السياسي التليد.
وفي وسط صورة المشهد الحزبي، يتربع كائن آخر يُطلق عليه – تجاوزا – الوسط الحزبي، يفتقد إلى الأب الشرعي، وعقدته هذه تجعله خفيض الصوت والجناحين، مستسلما مستكينا، لا يتصوّر نفسه خارج أحضان السلطة التي يتدفأ بها. ومن أجل ذلك تجده مستعدًا ليلعب دور رمانة الميزان أو عجلة الإغاثة.
وفي المقلب الآخر من الصورة العبثية التي رسمها فنان سريالي فاشل، يطلّ الإسلاميون بزحفهم الجنائزي ممتطين صهوة الدين، وكأنهم أبطال الفتح الإسلامي الجديد. رايتهم حتما ستُنكّس، لأن صراع المغاربة اليوم هو ضد الجوع والفقر والجهل والمرض، ومن أجل الكرامة ومستقبل الأبناء والأحفاد، أما الشهادتان والصلاة والصوم والزكاة والحج إن استطاعوا إليه سبيلًا، فقد رضعوها من أثداء أمهاتهم. ويوم تُجفَّف منابع الفقر والحاجة التي يمتح منها الإسلاميون قوتهم الموهِمة، ستسقط هذه الفزاعة. وهم اليوم في امتحان قادتهم إليه الصدفة، فماذا هم فاعلون؟
وبين هذا اليمين وذاك اليسار كائنات أخرى مشوّهة الخِلقة، هي أقزام بالمعنى والمبنى، تتعلم تسلق سلاليم السياسة الأطول من قامتها، وهكذا يبدو واقع الأحزاب لوحة غرائبية غاية في الغموض الواضح، تائهة فكريا وإيديولوجيا، بلا هوية، مجرد هياكل جوفاء.
لم تعد اليوم علّة الدستور قائمة، فقد أجمع علية القوم، وأسقط الملك من أيديهم ورقة التوت هذه بإرادة منفردة. كما أنها ليست أزمة نظام، بل هي أزمة النخب السياسية التي أفلست واستهلكت نفسها وخبا بريق شعاراتها التي لم تعد تقنع أحدا، فالأحزاب بواقعها المتشظي وهياكلها المتهالكة فاقدة لأي مشروع سياسي، وحتى المدّعين منهم، أقوالهم تناقض أفعالهم. فالنبلاء التقدميون استكانوا إلى فتحهم العظيم الذي فتح لهم الأبواب التي كانت بالأمس عصية عليهم، يوم سيقوا إلى التناوب على الكراسي، وكل شعاراتهم المنقحة والمزيدة مصدرها الحناجر وليس القلوب والعقول. والجماهير الشعبية، مهما أوغل فيها الفقر براثينه، قادرة على إجراء عملية الفرز التي قادتها إلى أن ليس في القنافذ أملس، وأن الكومة الحزبية من طينة واحدة، مهما بدت مختلفة، فاقدة للمصداقية والمشروعية. لذا كبر مقتها لها فأشاحت بآمالها وتطلعاتها باتجاه الطرف الذي يملك المشروع والمشروعية.
حزب الملك
الملك عابر للأحزاب ما فتئ يؤكد على أن حزبه هو المغرب والمغاربة، وكونه ركنا ركينا في المعادلة السياسية، هو وحده من يملك مشروعا مجتمعيا ورؤية للمستقبل وإستراتيجية للتنفيذ. فالنظام الذي دأبت أدبيات اليسار الكلاسيكي على نعته بالرجعي والمحافظ و… هو اليوم أكثر حداثة وعصرنة وديمقراطية من كل الأحزاب. وسواء اتفقنا أم لم نتفق على المشروع الملكي، فالحاصل والأكيد أن الملك له تصور متكامل لإعادة بناء المجتمع وتأهيله، فالملك علاوة على أنه على المستوى الشخصي غير مسؤول عن نتائج الصراع السياسي، على عكس القوى السياسية الأخرى يمينها ويسارها، أفصح منذ أن قلّد المسؤولية عن رؤيته للعهد الجديد، وهي إحالة إلى نهج مغاير عما ساد من قبل، وقرن القول بالفعل، فهو المبادر في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية…
وهذا النهج الجديد الذي بلور المفهوم الجديد للسلطة مركزه قلب المفاهيم التقليدية. فلم يعد مطلب الديمقراطية وشفافية الانتخابات ونزاهتها، مطلب الأحزاب، بل غدا دعوة ملكية. فالملك ما فتئ يدعو الأحزاب إلى ممارسة الديمقراطية على نفسها أولا، والانخراط المسؤول في المسلسل الديمقراطي بدل امتطاء الشعارات الحالمة. ومن الأكيد أن الإرادة الملكية في التغيير والإصلاح تنوء بأثقال الماضي ومخلفاته السلبية، وأن الطموحات أكبر مما تتيحه الإمكانيات، ناهيك عن أن حركية التغيير بطبيعتها بطيئة ومكلفة. ومن المحقق أيضًا أن هذه الإرادة هي صمام أمان البلاد وعاصمة مستقبلها، هي إرادة نابعة أولا من الأمانة الدستورية، حيث الملك مجسّد الأمة وحافظ دوامها واستمرارها. ومن القناعات الشخصية للملك بقيم الحداثة والديمقراطية وحقوق المواطنة، وهو إيمان عميق وأصيل وليس مُكرَهًا عليه.
والرهان اليوم أمام الشعب أن يختار بين إرادة واعية صادقة واضحة، ومجسدة في القول والفعل، وإرادة مشلولة واهنة فاقدة لمقومات الفعل السياسي والمبادرة. إن الأحزاب السياسية بمثل هذا الإفلاس أصبحت كوابح ومعطّلات لوتيرة الإصلاح أكثر منها داعما لها وفاعلا فيها. هي في حاجة إلى فترة نقاهة سياسية تتخلص فيها من أوهامها وأمراضها وكل أسباب علتها، وتؤمن إيمانا صوفيا أن الديمقراطية وآلياتها قبل أن تكون مطيّة إلى الكراسي، هي عقيدة وسلوك يجسده الفعل قبل القول. وإلى أن يفتح الله بصيرة أحزابنا ويمنّ عليها بقبس من نور الديمقراطية نقول: دعوا الملك يعمل لأجل مستقبل البلاد.

