هنا في كل بقاع إقليم شفشاون الجرداء، يقف الفلاح البسيط، يحدوه الأمل في موسم فلاحي أفضل، لكنه يجد نفسه محاصرا بين واقع القنب الهندي الذي لم يعد يدر عليه سوى التعب والخيبة، وبين امتيازات الفلاح الكبير الذي أصبح إقطاعيا يُشغل من كانوا بالأمس شركاءه في الأرض.
في القرى النائية، حيث لا تصل الطرق المعبدة ولا الخدمات الأساسية، يكابد الفلاح البسيط ظروفا صعبة، الأرض جرداء، والمياه نادرة، والجو قاس، هنا، تتضح الصورة الحقيقية لما يسمّيه البعض في المدن “الثراء الفلاحي”، فالواقع يقول إن زراعة القنب الهندي لم تعد سوى مصدر للأرق والمتاعب.
“نجني التعب والشقاء”، يقول محمد الفتاحي، فلاح من الإقليم، ويده متعبة من حرث الأرض وحمل المحاصيل؛ “بعد نهاية الموسم، لا يبقى لنا سوى خيبة الأمل، ومرض في أجسادنا، وغصة في القلب”، يضيف محمد وهو يشير إلى الحقول التي جردتها الجفاف والعزلة.
الربح المادي محدود للغاية، ويكاد لا يكفي لسد رمق العائلة، فالفلاح البسيط يحتاج أحيانا إلى 200 درهم فقط للذهاب إلى السوق، لكن ما يجنيه لا يكفي لتغطية هذه المصاريف البسيطة، وزراعة القنب الهندي أصبحت مرهقة، لا تستحق المخاطرة بالملاحقات القانونية أو الهروب من أعين السلطات، ويزداد الوضع سوءا مع ندرة المياه والجفاف المتكرر.
وعلى الجانب الآخر، نجد الفلاح الكبير، الذي تحول إلى إقطاعي حديث، يستغل الأراضي والجداول المائية ليزرع وفق مصالحه الخاصة، من كانوا بالأمس زملاءه في الكدح والعمل، أصبحوا اليوم موظفين أو عبيدا في ضيعته، بينما تُترك الحقول الأخرى جرداء بلا حياة، الفلاح البسيط بات محاصرا بين استغلال الفلاح الكبير وفقره المزمن، مما يطرح تساؤلات عن العدالة الاجتماعية وأثر السياسات الزراعية على الفلاحين الصغار.
وفي حديثه معنا، قال أحمد، فلاح آخر، “لم نعد نملك الأرض، ولم نعد نملك الأمل. كل شيء أصبح في يد القلة، ونحن مجرد أرقام على ورق لا أكثر” كلمات أحمد تعكس الواقع الصعب لعشرات الأسر في الإقليم التي تعتمد على الزراعة لتأمين معيشتها اليومية، لكنها تجد نفسها محرومة من أي مردود حقيقي.
حتى التعاونيات والجمعيات التي حاولت تقديم الدعم للفلاحين الصغار لم تتمكن من حل الأزمة بشكل جذري، الفقر والجفاف والديون تراكمت، فيما زراعة القنب الهندي لم تعد تشكل منفذا اقتصاديا كما كان يُعتقد.
ففي هذه الأجواء القاسية، يظل الفلاح البسيط رمزا للصمود والصبر، لكنه بحاجة ماسة إلى حلول سياسية واجتماعية تضمن له حقه في الأرض، وفي العيش الكريم، أما القنب الهندي، الذي كان يوما مصدر أمل، فقد تحول إلى عبء وشفرة عذاب حقيقية.
وواقع الفلاح البسيط في شفشاون يفضح الفوارق الكبيرة بين من يملك الأرض ومن لا يملكها، بين حلم العيش الكريم وبين واقع الهروب والمتابعة، بين العمل في الحقول الجرداء وبين امتيازات القلة.
وحكاية القنب الهندي هنا ليست قصة ثراء، بل قصة معاناة يومية يعيشها آلاف الفلاحين الذين أصبحوا عبيدا على أرضهم، في انتظار سياسات قادرة على إعادة الحق لأصحابه.

