يوم السابع عشر من شتنبر سنة 1925، لم يكن يوما عاديا في ذاكرة مدينة شفشاون، تلك الحاضرة الوديعة التي غفت لقرون بين أحضان جبال الريف، حيث كانت الحياة تنساب بهدوء المزارعين في حقولهم، وصمت المتصوفة في زواياهم، قبل أن يمزق هذا السكون هدير المحركات الذي لم يألفه الناس من قبل، حين أطلت في الأفق سبع عشرة طائرة خفيفة، لم تكن تحمل شارات الموت المعهودة في الحروب النظامية، بل كانت تقاد من قبل مجموعة من الطيارين الأمريكيين، الذين قرروا خوض مغامرة عسكرية خارج حدود المنطق والقانون الدولي، محولين بياض المدينة الناصع إلى ركام من الدخان والرماد.
والقصف الذي تعرضت له الشاون في تلك الصبيحة، كشف عن وجه غريب من وجوه الصراع في شمال المغرب، إذ لم تكن فرنسا تهدف فقط إلى استعراض قوتها في وجه ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي، بل استعانت بمرتزقة طيران يملكون خبرة واسعة من مخلفات الحرب العالمية الأولى، يقودهم العقيد “سويني” رفقة أسماء لامعة في سجلات الجو مثل “بول روكوال” و”جيمس ساسون”، هؤلاء الذين وجدوا في تضاريس المغرب مجالا لتفريغ شحنات الموت مقابل حفنة من الفرنكات الفرنسية، بعيدا عن أي غطاء سياسي رسمي من واشنطن، التي سارعت حينها إلى التبرؤ من أفعال مواطنيها، معتبرة إياهم خارجين عن الصف الوطني الأمريكي.
تؤكد الوثائق التاريخية والمراسلات المحفوظة في أرشيف الخارجية الأمريكية، أن الغضب في واشنطن بلغ مداه فور وصول أنباء المجزرة، حيث تضمنت البرقيات الموجهة إلى القنصل الأمريكي في طنجة الدولية لهجة شديدة الصرامة، تلوح بسحب الجنسية من هؤلاء الطيارين الذين ورطوا بلادهم في نزاع لا ناقة لها فيه ولا جمل، ووصف “ستيف ماكواير” المسؤول عن مكتب شمال إفريقيا تلك الغارات بأنها إدانة صريحة لصورة الولايات المتحدة، مشددا على أن الدولة لن تتحمل عواقب نزوات شخصية لطيارين تحولوا إلى “بنادق للإيجار” في يد الجيش الفرنسي، الذي فضل استخدام هؤلاء الأجانب لتنفيذ المهام القذرة بعيدا عن إحراج طياريه الرسميين.
داخل أروقة الصحافة الأمريكية في تلك الحقبة، انقسمت الآراء بين من رأى في هؤلاء الطيارين مغامرين يخدمون المصالح الغربية، وبين من وصفهم بالأغبياء الذين أضاعوا شرفهم العسكري لأجل المال، وفي شهادة مثيرة للجدل نشرتها مجلة “إليسترال” آنذاك، سخر طيار متقاعد من زملائه الذين قصفوا الشاون، مؤكدا أن فرص العمل الشريف في أمريكا، مثل رش المحاصيل الزراعية أو تقديم جولات ترفيهية للأطفال، كانت تدر أموالا طائلة وتغني عن سفك دماء المدنيين العزل في بلدة نائية لم يسمع بها أغلب الأمريكيين قط، وهو ما يعكس حجم الهوة الأخلاقية التي سقط فيها هؤلاء المرتزقة.
الندم الذي تسلل إلى مذكرات بعض المشاركين، مثل ما كتبه “بول روكويل” في رسائله، لم يمحُ أثر القنابل التي زلزلت الأرض تحت أقدام الفلاحين البسطاء، فالمشهد من الجو كان يظهر مدينة غاية في الجمال والسكينة، تحيط بها طبيعة خلابة لا توحي بوجود ثكنات عسكرية أو حصون حربية، ومع ذلك استمرت الغارات بدم بارد، لتظل واقعة قصف الشاون وصمة عار في سجل الطيران المأجور، وشاهدا تاريخيا على صمود مدينة تعرضت للغدر في لحظة غفلة، بينما كان العالم يراقب بصمت تحول الأبطال السابقين في ميادين أوروبا إلى أدوات قتل في جبال المغرب.

