يتحول إقليم شفشاون مع كل استحقاق انتخابي إلى ساحة صراع سياسي محتدم تقوده الجغرافيا القروية بالدرجة الأولى وتتحكم في مخرجاته صناديق الاقتراع الموزعة عبر المداشر والقرى النائية، وتشكل هذه المناطق الخزان البشري الأكبر والكتلة الناخبة الأكثر حساسية وتأثيرا في رسم الخريطة السياسية المحلية، حيث يمتلك الصوت القروي القدرة الكاملة على ترجيح كفة تيار ضد آخر وتغيير موازين القوى في شتى الجماعات الترابية التابعة للإقليم، مما يجعل بوصلة الأحزاب تتجه صوب القمم الجبلية والوديان بحثاً عن تزكية ومباركة الأعيان والشخصيات المحلية المؤثرة القادرة على حشد الدعم الجماهيري وتوجيه الأصوات بشكل جماعي ومنظم.
وهذا الثقل الانتخابي الوازن يقابله واقع معيشي مرير يتسم بارتفاع مؤشرات الفقر وتفشي الهشاشة الاجتماعية التي تضع الإقليم في مراتب متأخرة على مستوى التنمية البشرية، وتعيش آلاف الأسر في مداشر شفشاون تحت وطأة الحاجة وغياب بدائل اقتصادية حقيقية تضمن لهم العيش الكريم والاستقرار في أرضهم، ويتحول الحرمان المادي والاجتماعي في فترات الحملات الانتخابية إلى مادة دسمة لتبادل الوعود وإطلاق البرامج الشعاراتية التي سرعان ما تتبخر بمجرد إغلاق مكاتب التصويت وإعلان النتائج، لتبقى الساكنة القروية تواجه مصيرها اليومي مع العوز وضيق ذات اليد بعيداً عن بريق الشعارات الحزبية.
وتأتي معضلة العزلة الجغرافية على رأس قائمة المعاناة اليومية التي تكابدها ساكنة الجبال في غياب بنية تحتية طرقية صالحة ومستدامة، وتنقطع المسالك وتتحول المسارات الجبلية الوعرة إلى مصائد حقيقية للمركبات مع حلول فصل الشتاء وتساقط الأمطار والثلوج، مما يتسبب في عزل مداشر وقرى بأكملها عن المراكز الحضرية القريبة ويحرم المواطنين من التزود بالمواد الأساسية، ويظل مطلب فك العزلة وبناء شبكة طرقية عصرية تربط الجماعات النائية بالمحاور الرئيسية هو المحك الحقيقي لقياس مدى جدية المجالس المنتخبة والبرلمانيين في الوفاء بالتزاماتهم المعروضة في المنصات الانتخابية.
ويتجلى التراجع التنموي بوضوح شديد في التدهور الحاد للقطاع الصحي بالإقليم حيث تعاني المستوصفات القروية القليلة من إغلاق شبه دائم ونقص حاد في الأطقم الطبية والتمريضية والمعدات الحيوية، ويضطر المريض القروي إلى قطع مسافات طويلة وشاقة صوب المستشفى الإقليمي بالمدينة أو التوجه نحو مستشفيات تطوان وطنجة للحصول على أبسط العلاجات أو لإجراء فحوصات روتينية، وتزداد قساوة المشهد حين يتعلق الأمر بالنساء الحوامل وموجات البرد القارس التي تحول عمليات إسعاف المرضى في القرى المنسية إلى مغامرات حقيقية غير مضمونة العواقب ومحفوفة بمخاطر الموت.
ولا يختلف قطاع التعليم كثيرا عن الوضع الصحي المتردي بل يكرس الفوارق التنموية الصارخة ويهدد مستقبل الأجيال الصاعدة في مداشر شفشاون، وتفتقر العديد من الفرعيات المدرسية إلى البنيات التحتية اللائقة والمرافق الصحية والتدفئة الضرورية، فضلا عن غياب دور الطالب والطالبة ووسائل النقل المدرسي الكافية والمؤمنة في شتى الجماعات القروية، وتدفع هذه الظروف المأساوية مئات التلاميذ وخاصة الفتيات إلى الهدر المدرسي المبكر والانقطاع عن الدراسة في مرحلة الابتدائي والإعدادي، مما يسهم في إعادة إنتاج الأمية والفقر وتوسيع دائرة الإقصاء الاجتماعي بين أبناء الإقليم.
هذا وتمتلك ساكنة العالم القروي بإقليم شفشاون القوة التقريرية لانتخاب النخب السياسية عبر صناديق الاقتراع أصبحت واعية بحجم التناقض الصارخ بين قيمتها الانتخابية وحصتها التنموية، ويتطلع المواطن في المداشر والجبال إلى نخب وطنية ومحلية مسؤولة تضع حداً لسياسة التهميش وتعمل على إخراج مشاريع فك العزلة وتأهيل قطاعات الصحة والتعليم إلى حيز الوجود، وتعتبر المحطة الانتخابية المقبلة فرصة حاسمة للمساءلة والمحاسبة الشعبية لتحديد مدى قدرة الفاعل السياسي على الانتقال بالإقليم من وضعية الهشاشة والانتظار إلى أفق التنمية الفعلية والعدالة المجالية الواعية.

