أدت التساقطات المطرية القوية التي عرفتها مدينة شفشاون مؤخرا إلى بروز تحديات حقيقية في شبكة الطرق الحضرية، مما استوجب تدخلا عاجلا من طرف الجماعة الترابية لضمان سلامة المواطنين والحفاظ على الجمالية المعمارية للجوهرة الزرقاء، ويأتي هذا في سياق مطالب شعبية واسعة تلح على تجويد المسالك الطرقية وحمايتها من الانهيارات المتكررة التي تهدد انسيابية السير في المدينة السياحية، خاصة وأن وعورة التضاريس الجبلية تضاعف من حدة المخاطر المرتبطة بالفيضانات والسيول الجارفة.
وفي هذا السياق، أعلنت جماعة شفشاون في استجابة عملية لهذه المطالب عن فتح طلب عروض وطني مفتوح يحمل رقم 06/2026، حيث يهدف هذا المشروع الضخم إلى إنجاز أشغال صيانة الطرق العمومية بالمدينة بميزانية تقديرية بلغت مليون وأربعمائة وخمسة وعشرون ألفا وسبعمائة وعشرون درهما ، وتتوزع هذه الميزانية على تدخلات تقنية دقيقة تشمل معالجة النقاط السوداء وتدعيم المنحدرات الطرقية التي تضررت بفعل العوامل الجوية، مما يعكس رغبة الإدارة في تقديم حلول هندسية مستدامة تتجاوز الترقيعات المؤقتة نحو إصلاح شامل يمتد لسنوات طويلة.
ترتكز البطاقة التقنية للمشروع على حزمة من الأشغال المتكاملة تبدأ بعمليات الدك والتربة والحفر في الأراضي بمختلف أنواعها، وتنتقل إلى توريد ووضع طبقات الأساس من نوع “GNF1″ و”GNA” لضمان متانة القاعدة الطرقية أمام الضغط الميكانيكي للشاحنات والسيارات ، كما تشمل الصفقة وضع طبقة من الطلاء الواقي قبل الانتقال إلى مرحلة التعبيد بواسطة الخرسانة الإسفلتية “EB 0/10” التي تعد حجر الزاوية في حماية الطرق من تسرب مياه الأمطار ، وهي إجراءات تقنية صارمة تهدف في مجملها إلى رفع كفاءة الطرق الحضرية وزيادة قدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية.
لم تغفل الجماعة في تصميمها لهذا الورش جانب المرافق الملحقة بالطرق التي تلعب دورا محوريا في تصريف مياه الأمطار، إذ تضمنت بنود العروض توريد وتركيب مجاري المياه والبالوعات ذات الشباك الحديدية إضافة إلى أنابيب “PVC” بأقطار تصل إلى 315 ملم لتسهيل تدفق السيول ، وتكتمل هذه المنظومة بوضع رصيف جديد من نوع “T4” بعد هدم الأرصفة المتهالكة مع اعتماد تقنية الخرسانة المطبوعة بسماكة 6 سنتيمترات لتعزيز المنظر الجمالي للأزقة التاريخية ، مما يجعل من المشروع ورشا للتأهيل الحضري والجمالي في آن واحد.
حددت السلطات المختصة يوم التاسع عشر من مارس لعام 2026 موعدا لفتح الأظرفة في جلسة عمومية بقاعة الاجتماعات بمقر الجماعة ، واشترطت الإدارة تقديم ضمان مؤقت قدره خمسة وعشرون ألف درهم لضمان جدية المتنافسين والتزامهم بالمعايير المهنية العالية ، كما شدد نظام الاستشارة على ضرورة توفر المقاولات المشاركة على كفاءات تقنية في قطاع البناء والأشغال العمومية وخاصة في تخصصات الطرق والتطهير السائل، وهو ما يعكس حرص صاحب المشروع على انتقاء شركات ذات خبرة ميدانية قادرة على تنفيذ الأشغال بدقة متناهية.
يتضمن دفتر التحملات بنودا صارمة تتعلق بمكافحة الفساد وتضارب المصالح لضمان شفافية العملية التعاقدية ، حيث يلتزم كل متدخل في إجراءات إبرام الصفقات بالحفاظ على استقلاليته التامة وتجنب أي علاقة قد تخدش نزاهة القرار الإداري ، وتأتي هذه الإجراءات القانونية لتطمين الرأي العام المحلي حول كيفية صرف الاعتمادات العمومية المخصصة لإصلاح البنية التحتية، وتؤكد أن الأولوية تكمن في تحقيق المنفعة العامة وتطوير مرافق المدينة بما يليق بسمعتها العالمية كواجهة سياحية متميزة.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن تحسين البنية الطرقية في شفشاون سيساهم في فك العزلة عن بعض الأحياء الهامشية التي كانت تعاني مع كل موسم أمطار، وسيسهل وصول الخدمات الأساسية والأسعافات في حالات الطوارئ التي تفرضها الانهيارات الترابية، وتعتبر هذه الخطوة جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز جاذبية المدينة للاستثمارات السياحية وتوفير بيئة آمنة للزوار والمقيمين، وهو ما ينسجم مع التوجهات الكبرى للمملكة في مجال تحديث الحواضر المغربية وتقوية قدرتها على مواجهة الأخطار الطبيعية.
يبقى نجاح هذا الورش رهينا بمدى تتبع ومراقبة جودة الأشغال في مراحلها المختلفة لضمان مطابقتها للمواصفات التقنية الواردة في الصفقة، وتتطلع الساكنة المحلية إلى رؤية نتائج هذه الاستثمارات على أرض الواقع في القريب العاجل لتنتهي معاناة الطرق مع كل زخة مطر، إن التحرك الاستباقي لجماعة شفشاون يضع حدا للكثير من التساؤلات حول مستقبل البنية التحتية في المدينة، ويفتح بابا جديدا للأمل في تحول جذري يواكب الطموحات الكبيرة لساكنة الجبل وتطلعاتهم نحو تنمية مستدامة وشاملة.

