بينما كانت الأرقام الرسمية تدق ناقوس الخطر بشأن تراجع جاذبية إقليم شفشاون، جاءت الطبيعة في فبراير 2026 لتطلق رصاصة الرحمة على استقرار آلاف الأسر؛ فاليوم، لم يعد “النزيف السكاني” مجرد إحصائيات تحكي قصة هجرة اختيارية نحو المدن، بل تحول إلى هجرة قسري تحت وطأة انهيارات أرضية عنيفة سوّت أكثر من 1000 منزلا بالتراب في مختلف الجماعات القروية.
والعودة إلى تقرير المندوبية السامية للتخطيط الصادر قبل عام من الآن، تكشف لنا بوضوح أن الهشاشة التي رصدها الإحصاء في البنية التحتية وظروف السكن لم تكن مجرد أرقام تقنية، بل كانت “شهادة ميلاد” لمأساة إنسانية نعيش فصولها الآن، حيث يواجه الإقليم “المنكوب” تحدي البقاء في مواجهة جغرافيا غدارة وتنمية ظلت حبرا على ورق الأرشيف.
وفي هذا السياق، تضع الأرقام الرسمية حول إقليم شفشاون، أمام واقع ديموغرافي “قلق”؛ حيث سجل الإقليم أعلى معدل تراجع سكاني على مستوى جهة طنجة تطوان الحسيمة بنسبة بلغت 1.02% سنويا، فبينما كان الإقليم يضم 457,432 نسمة في عام 2014، انكمش هذا الرقم ليصل إلى 412,713 نسمة، وهذا النزيف البشري لم يكن متساويا، إذ تهاوت ساكنة جميع الجماعات القروية تقريبا، وتصدرت جماعة “ووزكان” قائمة التراجع بنسبة بلغت 2.69%، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول جاذبية المجال القروي واستدامة العيش فيه.
وتكشف المعلومات الرسمية عن تحول لافت في البنية الاجتماعية والأسروية؛ فالحلم بـ”الأسرة الكبيرة” بدأ يتلاشى تدريجيا في “الجوهرة الزرقاء” ونواحيها، فبعد أن كان متوسط حجم الأسرة في الإقليم يبلغ 6.4 أفراد في عام 2004، تقلص إلى 4.5 أفراد فقط بحلول عام 2024، وهذا التحول نحو “الأسرة المصغرة” ترافق مع زيادة ملحوظة في نسبة النساء اللواتي يترأسن الأسر، حيث ارتفعت النسبة من 8.0% إلى 10.8% خلال عقد من الزمن، وهي نسبة تزداد حدة في الوسط الحضري لتصل إلى 18.2%.
وعلى صعيد “الرأسمال البشري”، يحمل التقرير مفارقة رقمية تستحق الوقوف عندها؛ فبينما قفزت نسبة تمدرس الأطفال (6-11 سنة) في العالم القروي من 89.1% إلى 95.2% بفضل مجهودات حثيثة لتقليص الفوارق، لا يزال إقليم شفشاون يسجل أدنى متوسط لسنوات الدراسة بجهة الشمال بمعدل 3.2 سنوات فقط للبالغين فوق 25 سنة، مقارنة بمتوسط جهوي يبلغ 5.8 سنوات، هذا “الهدر الزمني” في التكوين ينعكس مباشرة على ضعف نفاذ الساكنة لمستويات تعليمية عليا، حيث أن 59.9% من هذه الفئة العمرية لم يسبق لها ولوج أي مؤسسة تعليمية.
وفي ملف “الأمية”، تبرز الأرقام قصة نجاح نسبية لكنها غير مكتملة؛ فقد انخفض معدل الأمية بالإقليم بـ 9.7 نقطة ليصل إلى 30.5% في 2024. المثير للاهتمام هو الانخفاض “الدراماتيكي” في صفوف الشباب (15-24 سنة) من 21.9% إلى 3.9% فقط. ومع ذلك، يظل التحدي قائما في “تأنيث الأمية”، إذ لا تزال نسبة النساء الأميات (42.7%) تضاعف نسبة الرجال (19.5%)، مما يكشف عن حاجة ماسة لبرامج استهداف نوعي تتجاوز مقاربة الأرقام العامة.
أما على مستوى التحديات السوسيو-اقتصادية وتكنولوجيا المعلومات، فقد كشف المعلومات عن فجوة رقمية عميقة تفصل الإقليم عن محيطه الجهوي. فبينما يمتلك 60.8% من الساكنة هاتفا محمولا، لا تتجاوز نسبة من يمتلكون حاسوبا شخصيا 2.2%، وهي نسبة ضئيلة جدا مقارنة بالمعدل الجهوي (6.6%). هذه “العزلة الرقمية” قد تكون عائقا أمام طموحات التحول الرقمي والخدمات عن بُعد التي تنهجها الدولة، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة بالإقليم.
وبالانتقال إلى “الواقع المعيشي” وظروف السكن، أظهر التقرير تقدما ملموسا في الربط بشبكات الكهرباء التي عمت 97.4% من مساكن الإقليم، لكن العقدة تظل في “الأمن المائي” والإسهام البيئي. فبينما يستفيد 96.8% من سكان الحواضر من الماء الشروب، تنحدر هذه النسبة إلى مستويات دنيا في القرى (9.1%)، والأدهى من ذلك، أن 70% فقط من ساكنة الإقليم يتوفرون على ربط بشبكة التطهير السائل، مع اعتماد واسع على الحفر التقليدية (المطامير) في الأرياف، ما يهدد الفرشة المائية الهشة للمنطقة.
وبعد مرور أكثر من عام على صدور هذه البيانات، تظل “أرقام 2024” لشفشاون بمثابة بوصلة لا يمكن تجاهلها في فبراير 2026، فالتراجع السكاني الحاد، وضعف متوسط سنوات الدراسة، والفوارق الصارخة في الولوج للماء والتكنولوجيا، كلها مؤشرات تستوجب وقفة تقييمية للمخططات التنموية بالإقليم.

