كشف عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك، عن ملامح ثورة بنيوية مرتقبة في شبكة المواصلات بجهة الشمال، حيث تعتزم الدولة إحداث خط حديدي استراتيجي يربط تطوان وشفشاون والحسيمة وصولا إلى الناظور على مسافة تمتد لنحو 333 كيلومترا، وتعتمد هذه المنظومة الجديدة سرعة تصل إلى 160 كيلومترا في الساعة، مما يؤشر على رغبة حقيقية في كسر العزلة الجغرافية عن أقاليم ظلت لعقود خارج حسابات الشبكة السككية الوطنية، كما يعكس هذا التوجه إدراكاً حكوميا بضرورة تعزيز السيادة اللوجستيكية في مناطق التماس الساحلية، وربط المرتفعات الجبلية بالمحاور الاقتصادية الكبرى للمملكة، انسجاماً مع التطلعات الرامية إلى جعل جهة طنجة تطوان الحسيمة قطباً اقتصادياً متكاملاً لا تتوقف حركيته عند حدود الموانئ الكبرى.
ويستند هذا المشروع إلى مخطط مديري متكامل يشرف عليه المكتب الوطني للسكك الحديدية، وهو وثيقة استراتيجية تهدف إلى رسم خارطة طريق لتوسيع التغطية المجالية لتشمل 90% من الساكنة المغربية عوض النسبة الحالية، ويتضمن المخطط رؤية توسعية لإنشاء 1300 كيلومتر من خطوط القطار فائق السرعة و3800 كيلومتر من الخطوط الكلاسيكية، مما سيمكن من ربط 43 مدينة كبرى يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة، إضافة إلى إدماج 12 ميناء و15 مطارا دولياً ضمن منظومة النقل السككي، ويسعى هذا التصور إلى تحقيق عدالة ترابية تضمن لكل الأقاليم نصيبا عادلا من التنمية، بعيدا عن المركزية التي ميزت العقود الماضية، مع التركيز على تقليص الفوارق المجالية بين الجهات عبر شبكة نقل حديثة وعصرية.
وتبرز التساؤلات المشروعة حول واقعية التنفيذ وآجاله الزمنية في ظل بقاء مشروع الربط السككي بين تطوان وطنجة رهين الدراسات التقنية لسنوات طويلة، فهذا المقطع الحيوي الذي يمثل مطلبا ملحا للساكنة والفاعلين الاقتصاديين لم يخرج بعد من دوائر النقاش حول الكلفة المالية وآليات التمويل، مما يفرض على الوزارة الوصية والمكتب الوطني للسكك الحديدية ضرورة الانتقال من مرحلة التخطيط النظري إلى مرحلة الإنجاز الميداني، فالحاجة أصبحت ماسة لتسريع وتيرة الأشغال لتجاوز التراكمات السابقة، وضمان ألا تظل هذه الوعود مجرد أرقام في تقارير استراتيجية لا تجد طريقها للتنزيل الفعلي على أرض الواقع في المدى القريب.
ويتطلب تنزيل هذه الأوراش الكبرى استثمارات ضخمة وتنسيقا عالي المستوى بين مختلف المتدخلين المؤسساتيين، نظراً لتعقيد التضاريس في جهة الشمال وما تفرضه من تحديات هندسية وتقنية تستوجب دقة متناهية في الإنجاز، ويعول الفاعلون على أن تساهم هذه الخطوط في تنشيط الدورة الاقتصادية عبر تسهيل حركة البضائع وتخفيف الضغط على الشبكة الطرقية، فضلا عن دعم القطاع السياحي في مدن مثل شفشاون والحسيمة التي تذخر بمؤهلات طبيعية هائلة يظل استغلالها رهيناً بمدى توفر وسائل نقل سريعة وآمنة، مما يجعل من الربط السككي صمام أمان لاستمرارية الجاذبية الاستثمارية للمنطقة الشمالية برمتها.
وتمثل هذه الاستراتيجية السككية رهانا وطنيا يتجاوز مجرد توفير وسيلة نقل، فهي أداة لإعادة هندسة المجال المغربي وبناء اقتصاد تنافسي قادر على مواجهة التحديات الدولية، ولعل الربط بين تطوان والناظور عبر الحسيمة يشكل النواة الصلبة لهذا التوجه الذي يربط المتوسط بالمتوسط، ويخلق شريانا حيويا يغذي المناطق النائية بالفرص التنموية، وتظل الفعالية في التنفيذ هي المقياس الحقيقي لنجاح هذا المخطط المديري، حيث ينتظر الجمهور المثقف والمتتبع للشأن العام أن تتحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس يعيد الاعتبار للمواطن في أقاليم الشمال، ويؤكد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الاستراتيجية الكبرى في أفق العقد القادم.

