خلف ستائر الجبال التي تسحر الناظرين، يغلي مرجان السياسة في إقليم شفشاون على إيقاع تحركات لا تنام، حيث لم تعد المداشر المنسية مجرد تضاريس وعرة، بل تحولت إلى “بورصة” للأصوات يسابق فيها الزمنُ من ضلوا الطريق إليها لسنوات.. فهل تنجح كيمياء الوعود في تخدير وعي الجبل، أم أن لساكنة شفشاون رأيا آخر يقلب الطاولة على سماسرة اللحظات الأخيرة؟
على أعتاب الاستحقاقات الانتخابات التي ترسم ملامح الخريطة السياسية في المغرب، تنبعث من إقليم شفشاون إشارات دالة على حراك انتخابي يتجاوز في عمقه مجرد التنافس على المقاعد، إذ يتحول الإقليم في هذه الآونة إلى خلية نحل سياسية لا تهدأ، حيث تُعاد صياغة التحالفات في الغرف المغلقة وتُفتح النقاشات في المقاهي العتيقة حول مصير الإقليم الذي يرزح تحت ثقل انتظارات تنموية كبرى.
وفي هذا السياق، الإقليم يُخفي حسا سياسيا حادا لدى مواطن يراقب اليوم بوعي شديد تلك التحركات التي تسبق العواصف الانتخابية، باحثا عن خيط رفيع يفصل بين الرغبة الحقيقية في التغيير وبين المناورات التي تمليها الرغبة في البقاء تحت أضواء المجالس المنتخبة.
والخصوصية السوسيو-ثقافية لإقليم شفشاون تمنح العملية الانتخابية طابعا فريدا يمزج بين الولاءات القبلية الراسخة وبين التطلعات الحداثية لجيل شاب يطالب بنصيبه من التنمية المستدامة، فالمجال القروي الشاسع المحيط يمثل الخزان الانتخابي الأكبر والرهان الأصعب الذي يسيل لعاب الفاعلين السياسيين، حيث نلاحظ كيف تنشط قنوات التواصل فجأة مع مداشر وقرى كانت بالأمس القريب خارج الرادار اليومي للمسؤولين.
وتتحول الوعود بالبنية التحتية وفك العزلة إلى بضاعة رائجة في سوق الكلام، بينما تظل مرآة الواقع تعكس فجوات عميقة تتطلب نفسا إصلاحيا طويلا لا ينتهي بانتهاء عملية التصويت، بل يبدأ منها كتعاقد أخلاقي ملزم أمام ساكنة ترفض أن تظل مجرد أرقام في معادلات الفوز والخسارة.
ويتجلى المشهد السياسي في شفشاون اليوم كلوحة معقدة تتداخل فيها الألوان الحزبية بين هيئات تقليدية تحاول الحفاظ على قلاعها الحصينة وبين قوى صاعدة تسعى لاختراق المشهد بوجوه جديدة ترفع شعار الكفاءة والبديل، وهذا الصراع المحموم يضع الناخب الشفشاوني أمام مسؤولية تاريخية في فرز الغث من السمين وتجاوز منطق المحاباة نحو منطق البرامج القابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
والتحديات التي تواجه الإقليم على مستويات الصحة والتعليم والتشغيل لا تحتمل المزيد من الهدر الزمني أو الارتجال في التدبير، بل تستوجب وجود نخب تمتلك الجرأة على مساءلة الذات قبل مساءلة الآخرين وتدرك أن الجلوس على كراسي المسؤولية هو تكليف مثقل بالأمانة وليس تشريفا يمنح صاحبه حصانة من المحاسبة الشعبية.
وما يعيب الممارسة السياسية في بعض المحطات هو ذلك “الهيام الموسمي” بالتراب الشفشاوني الذي لا يستعر لهيبه إلا مع اقتراب موعد صناديق الاقتراع، فنجد الهواتف التي كانت خارج التغطية لسنوات قد أصبحت متاحة والوجوه التي غابت عن المداشر والدواوير قد عادت لتصافح الصغير والكبير بحرارة مصطنعة.
وهذا النمط من السلوك السياسي يكرس الفجوة بين المنتخب والقاعدة الناخبة ويغذي الشعور بالعدمية السياسية لدى فئات واسعة من المجتمع، في حين أن الإقليم في غنى عن هذه المسرحيات المتكررة وهو في أمس الحاجة إلى بناء جسور ثقة دائمة تقوم على الحضور الميداني المستمر والاشتغال الصامت على الملفات الكبرى التي ترهق كاهل المواطن البسيط.
ويبقى الرهان الحقيقي في هذه الانتخابات هو مدى قدرة النخب المترشحة على تحويل الزخم الانتخابي إلى استراتيجية تنموية شاملة تستثمر في المؤهلات الطبيعية والبشرية التي يزخر بها إقليم شفشاون، فالسياحة الجبلية والمنتجات المجالية والعمق التاريخي للمنطقة هي أوراق رابحة تنتظر من يحسن استثمارها بعيدا عن الحسابات الضيقة والولاءات الحزبية الضيقة.

