تحول مركز بني أحمد الشرقية بإقليم شفشاون من قطب اقتصادي نابض يربط بين أقاليم شفشاون وتاونات ووزان إلى مساحة من الصمت التجاري المطبق، فهذا المركز الذي كان يمثل شريانا حيويا يغذي مئات الدواوير المجاورة فَقَدَ بريقه التاريخي في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل التنمية في المناطق الجبلية، حيث تعاني الأزقة التي كانت تعج بالحركة من تراجع حاد في وتيرة النشاط اليومي مما ينذر بتحولات سوسيواقتصادية عميقة قد تعصف بما تبقى من تماسك هذا الفضاء التجاري العريق.
وتكشف الجولة الميدانية التي قامت بها جريدة “شاوني” عن واقع صادم يجسده الإغلاق المحكم لعشرات المحلات التجارية التي كانت في وقت قريب وجهة مفضلة للمواطنين، فهذه الأبواب الموصدة هي نتيجة تراكمات أدت إلى شلل شبه تام في الدورة الاقتصادية، كما تعكس الجدران الباردة والواجهات المهملة حجم الخسائر التي تكبدها التجار الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الركود وسندان التكاليف المرتفعة مما دفع الكثير منهم إلى الاستسلام لواقع الإفلاس والانسحاب الهادئ من الساحة.

ويرى السكان محليون أن ظهور مراكز تجارية صاعدة مثل مركز جماعة واد مالحة قد سحب البساط من تحت أقدام بني أحمد الشرقية بطريقة دراماتيكية، فقد استطاعت تلك المراكز استقطاب الفئات الشعبية عبر تقديم بدائل أكثر مرونة وأثمنة تنافسية تغري المواطنين القادمين من الدواوير البعيدة، وهذا التنافس الجغرافي والاقتصادي لم يجد مقابلا من طرف تجار المركز الذين ظلوا متمسكين بأنماط تقليدية وأسعار يراها المستهلك مرتفعة ولا تتماشى مع تدهور القدرة الشرائية التي ضربت المنطقة في السنوات الأخيرة.
وصرح أحد المواطنين من المرتادين الدائمين للمنطقة بأن الغلاء الفاحش في هذا المركز ساهم بشكل مباشر في دفع الناس نحو تغيير وجهاتهم التقليدية صوب أسواق أخرى توفر لهم احتياجاتهم بأثمنة معقولة، مضيفا أن المقاطعة غير المعلنة لجل المحلات هنا لم تكن وليدة الصدفة بل جاءت نتيجة إحساس عام بالاستغلال وغياب التنوع في العرض التجاري، هذا التحول في سلوك المستهلك أدى إلى فقدان الثقة بين الزبون والتاجر مما جعل العودة إلى سابق العهد أمرا بالغ الصعوبة في ظل الظروف الراهنة.

وتشكل الهجرة القروية الحادة عاملا حاسما في تفاقم هذه الأزمة حيث نزحت مئات الأسر من القرى المجاورة نحو المدن الكبرى بحثا عن لقمة العيش، وهذا النزيف الديموغرافي أدى إلى تقليص القاعدة الاستهلاكية للمركز وجعل يوم الثلاثاء الذي يمثل ذروة النشاط الأسبوعي يبدو باهتا وفارغا من روحه المعهودة، فالمنازل المهجورة في المداشر لم تعد ترسل أبناءها للتسوق مما جعل الركود يمتد من الحقول ليصل إلى قلب المركز التجاري الذي بات يصارع من أجل البقاء في بيئة طاردة.
وأكد مواطن آخر من سكان المنطقة أن الحنين إلى الأيام الخوالي يمتزج اليوم بمرارة الواقع الذي يفرض نفسه على الجميع دون استثناء، فالسوق الذي كان يجمع شتات القبائل من الأقاليم الثلاثة بات اليوم مجرد أطلال تجارية تفتقر إلى الجاذبية والحيوية، كما أشار إلى أن غياب الرؤية التنموية الواضحة لإعادة تأهيل المركز وجعله قادرا على مواجهة التحديات الجديدة ساهم في تسريع وتيرة الانهيار الاقتصادي الذي نعيشه حاليا.

ويبقى مركز بني أحمد الشرقية نموذجا حيا للمراكز القروية التي تعيش تحت رحمة المتغيرات الاقتصادية المتسارعة دون وجود آليات حماية حقيقية، واستمرار هذا التراجع ينذر بإفراغ المنطقة من نواتها الصلبة وتحويلها إلى مجرد نقطة عبور لا قيمة مضافة لها، وهو ما يتطلب وقفة تأملية عميقة من الجهات المسؤولة ومن الفاعلين الاقتصاديين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يتحول هذا الركود إلى موت سريري ينهي حقبة زمنية كانت فيها بني أحمد عنوانا للرواج والازدهار.

