يعيش إقليم شفشاون وضعا صحيا مقلقا ومزمنا منذ سنوات طويلة، في ظل غياب شبه تام للأطر الطبية الأساسية، وضعف البنية الصحية، واستمرار معاناة الساكنة مع أمراض كان من الممكن علاجها لو توفرت شروط الرعاية الصحية الأولية، ورغم تعاقب الحكومات والوزراء على قطاع الصحة، إلا أن الخصاص المستمر في العنصر البشري والتجهيزات الطبية بالإقليم يزداد تفاقمًا، في الوقت الذي تنتظر فيه الساكنة تدخلا حقيقيا يضع نهاية لهذا الواقع الذي يمس حقا دستوريا أصيلا.
وفي عدد من الجماعات بإقليم شفشاون، من بينها المنصورة، بني أحمد، بني رزين، وتمورت وعدد من الجماعات الجبلية، تعمل المراكز الصحية بدون طبيب، وتعتمد فقط على ممرضين وممرضات يُكلفون بتقديم خدمات طبية تفوق اختصاصهم وصلاحياتهم القانونية، في محاولة منهم لسد الخصاص قدر الإمكان، وهذا الوضع يجعل من الولوج إلى العلاج مسألة معقدة، ويمس بمنطق جودة الخدمات الصحية وبحق المريض في تشخيص وعلاج يليق بكرامته.
جولات وزير الصحة.. وشفشاون خارج التغطية
الذي يعيش في إقليم شفشاون سيلاحظ أن غياب الأطباء والتجهيزات يدفع النساء الحوامل في المناطق الجبلية إلى قطع مسافات طويلة في ظروف قاسية للوصول إلى أقرب نقطة صحية، وغالبا ما يتم الاستنجاد بسيارات نقل غير مهيأة أو بوسائل نقل خاصة، ما يعرض حياتهن وحياة مواليدهن للخطر.
كما يضطر العديد من المرضى إلى التنقل إلى مدن تطوان أو طنجة بحثا عن فحص طبي، وهو ما يشكل عبئا ماديا ونفسيا على الأسر، خاصة من ذوي الدخل المحدود.
وفي الوقت الذي دأب فيه وزير الصحة، أمين التهراوي، على القيام بزيارات ميدانية لعدد من المستشفيات والمراكز الصحية بمختلف الأقاليم في إطار تتبع وضع القطاع، لم تُسجَّل – وفق ما يتداوله الفاعلون المحليون – أي زيارة رسمية لأحد المراكز الصحية بالإقليم خلال الفترة الأخيرة، رغم أنه يُصنف ضمن المناطق الأكثر تأثرا بتراجع الخدمات الصحية.
وهذا الغياب، يُطرح معه سؤال جوهري؛ لماذا لا تحظى المناطق الجبلية بإقليم شفشاون بالأولوية في البرنامج الوطني لإصلاح المنظومة الصحية، خصوصا وأنها من أكثر المناطق هشاشة من حيث العرض الصحي؟
توجيهات ملكية واضحة… والواقع لا يزال يسير بسرعتيْن
خطابات الملك محمد السادس أكدت مرارا على ضرورة تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وعلى أن المغرب لا يمكن أن يتقدم بسرعتين؛ سرعة المدن الكبرى مقابل بطء وتهميش العالم القروي؛ غير أن الوضع الصحي بشفشاون يبرز استمرار فجوة صحية بين المركز والهامش، مما يستدعي تفعيلا فعليا لهذه التوجيهات وتحويلها إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
وأمام استمرار تدهور المنظومة الصحية بالإقليم، أصبحت الحاجة ملحة إلى تدخل سريع من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، عبر؛ تعيين أطباء عامين ومختصين بشكل دائم في المراكز الصحية بالإقليم، وتحفيز الأطر الصحية للعمل في المناطق الجبلية عبر منح تعويضات خاصة، وتجهيز المستوصفات بالمعدات الطبية الأساسية وتوفير الأدوية الضرورية، وتعزيز أسطول سيارات الإسعاف بطريقة تراعي الطبيعة الجبلية للمنطقة، وإحداث مراكز ولادة مجهزة قريبة من المناطق النائية.

