تعيش جماعات إقليم شفشاون خلال الأشهر الأخيرة على وقع دينامية غير مسبوقة في الصفقات العمومية والمشاريع الاستثمارية، تمتد من الماء والفلاحة إلى السياحة والبيئة والبنيات التحتية الأساسية، في مقدمتها بناء سد ضخم يبرمج في بو أحمد بكلفة تقارب ملياري درهم، وعشرات الكيلومترات من المسالك القروية المراد تهيئتها، ومشاريع لتجهيز المساجد والمدارس القروية بالماء الصالح للشرب، أوراش لتأهيل مواقع سياحية كأقشور وبناء محلات تجارية بمراكز بعض الجماعات، ثم حزمة قوية لدعم تربية النحل في ثماني جماعات قروية دفعة واحدة، وهذه الصورة بالأرقام تجعل المراقب يتساءل؛ هل نحن أمام تحوّل تنموي حقيقي قادر على تغيير وجه الهشاشة في شفشاون، أم أمام موجة جديدة من الاستثمارات الثقيلة التي قد لا يلمس الفلاح الصغير والساكنة الهشة إلا فتاتها؟
وفي قلب هذه الدينامية يبرز مشروع سد بو أحمد، الذي أعلنت عنه وزارة التجهيز والماء عبر طلب عروض مفتوح دولي، حددت فيه الكلفة التقديرية للمشروع في حوالي مليار وتسعمائة وتسعة وثلاثين مليون وثلاثمائة وعشرين ألفا وتسعمائة وثمانية وسبعين درهما، مع اشتراط ضمان مؤقت بقيمة 25 مليون درهم، وفتح للأظرفة مبرمج ليوم 03 دجنبر 2025، مشروع بهذا الحجم لا يمثل فقط ورشا هندسيا ضخما، بل رهانا استراتيجيا على الأمن المائي، وتزويد المنطقة بالمياه لأغراض الشرب والري، وتخفيف ضغط الجفاف على الفلاحين الصغار خاصة في الجماعات الجبلية التي تعيش وضعا هيدرولوجيا هشا منذ سنوات، على الورق، يمكن لهذا السد أن يكون نقطة تحول حقيقية في علاقة الإقليم بالماء، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو؛ من سيكون المستفيد المباشر من هذه الاستثمارات؟ وهل ستترجم هذه المليارات إلى مياه متدفقة في صنابير الدواوير المعزولة وحقول الفلاحين الصغار، أم ستظل حبيسة القنوات الكبرى ومشاريع الري المنظمة التي لا يصل أثرها إلا جزئيا إلى أبعد الجماعات؟
إلى جانب ورش السد، اختارت المديرية الإقليمية للفلاحة بشفشاون أن تُحدث ما يشبه الصدمة الإيجابية وسط قطاع تربية النحل، خمسة طلبات عروض متزامنة، أرقامها من 50 إلى 54/DPA.50/2025، خصصت لها ميزانية إجمالية تقدر بمليون وخمسمائة وسبعة وستين ألفا وخمسمائة درهم، بهدف اقتناء وتسليم 945 خلية نحل معمّرة لفائدة الفلاحين في ثماني جماعات قروية؛ بني سلمان، بني منصور، تالمبوط، اسطيحات، بني أحمد الشرقية، بني أحمد الغربية، تاموروت وأونان، الأرقام هنا دقيقة ومثيرة للاهتمام؛ صفقة رقم 54/2025 بكلفة 517.500 درهم لاقتناء 345 خلية لفائدة بني سلمان وبني منصور، صفقة 53/2025 بكلفة 150.000 درهم مقابل 100 خلية لتالمبوط، صفقة 52/2025 بكلفة 300.000 درهم لـ200 خلية باسطيحات، وصفقة 51/2025 بنفس الكلفة لـ200 خلية ببني أحمد الشرقية والغربية، ثم صفقة 50/2025 بكلفة 300.000 درهم لاقتناء 100 خلية لفائدة تاموروت وأونان. فتح الأظرفة لهذه الصفقات الخمس حُدد في اليوم نفسه الأربعاء 03 دجنبر 2025، تواليا ما بين العاشرة صباحا ومنتصف النهار، في مشهد يعكس برمجة موحدة وخطة عمل مسترسلة.
في ظاهر الأمر، يبدو أن الفلاح الصغير في هذه الجماعات مقبل على مكسب نوعي؛ فاقتناء خلية نحل معمّرة يعني توفير سنوات من العمل التجريبي والمحاولات، ووضع الفلاح مباشرة في مسار الإنتاج، وعسل شفشاون معروف بجودته وسمعته الجيدة في السوق الوطنية، وهو منتوج ذو قيمة مضافة عالية يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل مهم في المناطق الجبلية التي لا تملك خيارات كثيرة، غير أن التحقيق في عمق هذه العملية يطرح أسئلة أساسية؛ من هم الفلاحون الذين سيستفيدون فعلا من هذه الخلايا؟ هل تم إعداد لوائح دقيقة للمرشحين للاستفادة وفق معايير شفافة، أم أن شبكات الزبونية والمحسوبية قد تجد لها منفذا وسط هذا الورش؟ هل ستُسلم الخلايا ضمن مقاربة تعاونية وجماعية، تُسجَّل وتُراقَب فيها عقود الاستلام، أم ستوزع بشكل فردي لا يمكن تتبع أثره على المدى المتوسط؟
أكثر من ذلك، توزيع الخلايا وحده لا يكفي لضمان إقلاع اقتصادي حقيقي، فتربية النحل نشاط يتطلب تكوينا مستمرا، ومعرفة تقنية بمواسم التغذية ومكافحة الأمراض، وقدرة على الولوج للأسواق ولقنوات التسويق المنظم، وإن لم تواكب هذه الصفقات برامج للتكوين والدعم التقني ومشاريع لتثمين المنتوج (وحدات تعاونية للتعبئة والتسويق، علامات الجودة، ربط بالتجارة الإلكترونية)، فإن الخطر هو أن يتحول المشروع إلى عملية توزيع معدات أكثر من كونه استثمارا في القدرات الإنتاجية للفلاح، وفي هذا السيناريو، قد تذهب الأرباح الكبرى لشركات تبيع المعدات أو لوسطاء يتحكمون في قنوات التسويق، بينما يظل الفلاح الصغير في موقع التابع لا الشريك.
وعلى مستوى آخر، تُظهر وثائق صفقات أخرى أن الإقليم يعيش كذلك حركية في قطاع الماء والبنيات التحتية الأساسية على مستوى القرى. المديرية الإقليمية لوزارة التجهيز والماء واللوجستيك بشفشاون أطلقت طلب عروض رقم 43/2025، يتعلق بتجهيز المساجد والمدارس القروية بالماء الصالح للشرب بكلفة تقديرية تبلغ 121.000 درهم، مع ضمان مؤقت بقيمة 10.000 درهم. الأظرفة ستفتح يوم 22 نونبر 2025. قد تبدو هذه الأرقام متواضعة مقارنة بمليارات سد بو أحمد، لكنها في الميزان الاجتماعي تحمل دلالة قوية؛ ربط مدرسة قروية أو مسجد بالماء الصالح للشرب هو إجراء مباشر يلمسه المواطن يوميا، ويعيد تعريف كرامة العيش في تلك المناطق. غير أن ضآلة المبلغ الإجمالي تثير سؤالاً آخر: هل يغطي هذا المشروع فعلاً الخصاص الموجود في عشرات المدارس والمساجد المنتشرة وسط الجبال، أم أننا أمام نقطة صغيرة وسط بحر من الحاجيات غير الملبّاة؟
وتنفتح جبهة أخرى من الاستثمارات على واجهة السياحة والبيئة. وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في عمالات وأقاليم الشمال أعلنت عن مشروع استثماري لتأهيل الموقع السياحي أقشور، تحت رقم TRAV AMENG EXTR SITE TOURISTIQUE AKCHOUR/CH/214-25 Re2، بكلفة تقدر بمليون وثمانمائة وتسعة وسبعين ألفا ومائة وخمسة وثلاثين درهما وعشرين سنتيما، المشروع يهم أشغال التهيئة الخارجية، وبناء أكشاك تجارية بمحاذاة الشلالات وقنطرة ربي، لفائدة الجماعة الترابية تلمبوط، مع توجيه الاستفادة من هذه الأكشاك أساسا لشباب جماعة طوبملت. في الخطاب الرسمي، هذا المشروع يحمل وعودا بإعادة تنظيم الفضاء السياحي وخلق فرص شغل قارة للشباب وتقليص العشوائية والأنشطة غير المهيكلة. لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام نقاش حاد: هل ستؤدي هذه التهيئة إلى حماية الموارد الطبيعية من ضغط السياحة الجماعية، أم ستشجع قدوم أعداد أكبر من الزوار دون سقف استيعابي واضح، مما يعني مزيداً من الضغط على مياه الأودية والغابات والمسارات الجبلية؟
من زاوية العدالة المجالية، يُطرح السؤال بشكل أعمق؛ ما حصة الجماعات البعيدة مثل بني أحمد، تاموروت، باب برد، تزكان، من هذه الصفقات؟ التحقيق في وثائق متفرقة يبين أن الجماعات غير السياحية ليست بعيدة تماما عن دائرة الاستثمارات، فهناك صفقات تخص تهيئة 60 كيلومترا من المسالك لفائدة عدد من الجماعات القروية، وهناك مشروع لتجهيز المساجد والمدارس بالماء، وكذلك دعم النحل في بني أحمد وتاموروت وأونان. كما أعلنت جماعة أوعوزكان عن طلب عروض وطني رقم 07/2025/C.T يتعلق بأشغال بناء محلات تجارية بمركز الجماعة، في إطار برنامج للتنمية المحلية وإعادة تأهيل المركز التجاري، بما يسمح للشباب بمزاولة أنشطتهم في فضاءات عصرية ومنظمة. لكن حجم هذه المبادرات يبقى محدوداً مقارنة بالاستثمارات الثقيلة الموجهة نحو نقاط سياحية أو أوراش استراتيجية كالسد والطرق، ما يجعل سؤال التوازن المجالي مشروعاً: هل يجري التركيز بشكل أكبر على الواجهات المرموقة القادرة على جذب الأنظار والسياح، مقابل تخصيص موارد أقل للجماعات الأكثر هشاشة التي تُعدّ في الأصل المصدر البشري الأكبر للهجرة والفقر؟
من زاوية الحكامة والشفافية، يتيح تتبع هذه الصفقات عبر بوابة الصفقات العمومية إمكانية القيام بتشريح معمق لخريطة الاستثمار في الإقليم. من خلال فلترة الصفقات المرتبطة بـ”Province de Chefchaouen” لسنة 2025، يمكن إحصاء عدد العروض، طبيعة المشاريع، قيمتها المالية، وتحديد الجهة صاحبة المشروع: قطاعات وزارية، وكالات جهوية، جماعات ترابية. غير أن التحقيق الاستقصائي لا يتوقف عند الأرقام المجردة؛ فالمطلوب هو تتبع مسار كل صفقة من لحظة الإعلان إلى إبرام العقد والتنفيذ الفعلي على الأرض. هنا تظهر أسئلة حساسة: ما نوع المقاولات التي تفوز بهذه الصفقات؟ هل هي شركات محلية صغيرة متجذرة في الإقليم، أم شركات وطنية كبرى تأتي لتنفيذ الأشغال ثم تغادر دون أن تترك وراءها أي نسيج مقاولاتي مستدام؟ هل تتكرر نفس الأسماء في أكثر من صفقة، بما يجعل من السوق شبه مغلق على دائرة محدودة من المتعاملين؟ وهل تحترم الشركات الفائزة شروط الكفاءة والخبرة المنصوص عليها في المادة 09 من أنظمة الاستشارة، والمواد 30 و31 و32 و34 من مرسوم الصفقات العمومية؟
وفي خضم هذه الصورة المعقدة، يبدو أن إقليم شفشاون واقف اليوم عند مفترق طرق. من جهة، هناك مؤشرات قوية على انخراط الدولة ومؤسساتها ووكالاتها في ضخ استثمارات كبيرة في الماء والفلاحة والسياحة والطرق، مع حضور واضح لمحور دعم الأنشطة المدرة للدخل وتثمين المنتجات المحلية. ومن جهة أخرى، لا تزال أسئلة العدالة المجالية، وفعالية الأثر الاجتماعي، وشفافية منح الصفقات، وحماية الموارد الطبيعية مطروحة بإلحاح.
فهل سينجح هذا السيل من الصفقات في تحويل الفلاح الصغير من ضحية للهشاشة إلى فاعل اقتصادي يمتلك وسائل الإنتاج وقنوات التسويق؟ هل ستتحول مشاريع أقشور والمواقع السياحية إلى نماذج للتنمية المستدامة التي تحمي الماء والغابة وتضمن للساكنة المحلية حصة عادلة من عائدات السياحة، أم ستكرس نموذجاً جديداً لاستغلال المجال الطبيعي لصالح مقاولات وفئات محدودة؟

