ما يزال توقيف أحد الفقهاء بأحد المساجد بإقليم شفشاون يلقي بظلاله على النقاش العمومي حول وضعية مساجد تحفيظ القرآن الكريم والمدارس القرآنية التقليدية، ودورها في صيانة الهوية الدينية للمغاربة، ففي الوقت الذي تتفاعل فيه مختلف الآراء حول حيثيات هذا التوقيف وتداعياته، برزت أصوات حقوقية وفكرية وعلمية تدعو إلى مقاربة شمولية لهذا الملف، من بينها صوت المحلل السياسي رضوان الغزاوي، الذي اختار أن يركز على البعد الهوياتي والروحي للمسألة.
ويرى رضوان الغزاوي، في تصريح له لجريدة “شاوني” أن ما يحدث اليوم لمساجد تحفيظ القرآن الكريم بإقليم شفشاون لا يمكن اختزاله في حوادث معزولة أو إهمال عابر، بل يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل فضاءات دينية وتربوية ساهمت، لعقود، في تخريج أجيال من حفظة كتاب الله وترسيخ القيم الروحية للمجتمع، ويعتبر أن تراجع حضور هذه الفضاءات أو إغلاق بعضها يثير قلقا مشروعا لدى فئات واسعة من الساكنة المحلية المهتمة بالحفاظ على هذا الموروث الديني.
ويؤكد الغزاوي أن المغرب قد راكم تجربة رائدة في مجال التدبير الديني، جعلته محط إشادة في إفريقيا وأوروبا، من خلال نموذج معتدل ومنفتح يقوم على ثلاث ركائز كبرى وهي المذهب المالكي السني، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، وهذه الثوابت، بحسب تصريحه، أسهمت في تحصين البلاد من الانزلاق نحو التطرف، وجعلت من النموذج المغربي في التدين تجربة مرجعية تُدرَّس وتُستحضر في عدد من المنتديات الدولية. ومن هذا المنطلق، يربط الغزاوي بين حماية فضاءات التحفيظ القرآني وبين صون هذه المرجعيات الدينية التي تشكل جوهر الهوية الروحية للمغاربة.
ويستحضر الغزاوي تجربته البحثية السابقة رفقة عدد من الزملاء المتخصصين في السياسة الدولية والدبلوماسية، حيث اشتغل على موضوع “الدبلوماسية الدينية” للمغرب، مشيرا إلى أن نتائج هذا العمل أظهرت مدى تجذر هذا الخيار في الحفاظ على الأمن العام والوقاية من الفتن والتطرف، ليس فقط داخل المغرب، بل أيضا في عدد من الدول الإفريقية مثل السنغال والكونغو ومالي والنيجر وغيرها، حيث يمتد تأثير النموذج الديني المغربي عبر المؤسسات العلمية والروابط الروحية والزوايا.
ويرى المحلل السياسي أن “من يمس مكانة القرآن في المجتمع يمس الأمن الروحي للمغاربة”، في إشارة إلى أن الحفاظ على مساجد التحفيظ ومدارس التربية القرآنية ليس مجرد شأن محلي أو قضية فئوية، بل هو جزء من معادلة أكبر مرتبطة بالأمن الروحي والاستقرار القيمي، كما يعتبر أن إضعاف حضور المذهب المالكي ومرتكزاته يفتح الباب أمام أفكار دخيلة قد لا تنسجم مع خصوصيات المجتمع المغربي وتراكمه التاريخي في مجال التدين الوسطي.
وانطلاقا من هذه المعاينة، يدعو الغزاوي إلى إعادة الاعتبار لمساجد تحفيظ القرآن الكريم بإقليم شفشاون وباقي مناطق المملكة، عبر رؤية متوازنة تدمج بين متطلبات التأطير القانوني والإداري وبين ضرورة الحفاظ على الدور التربوي والروحي لهذه الفضاءات، مشددا على أن حماية هذه المقدسات الرمزية ليست مسؤولية فئة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية يشترك فيها العلماء والباحثون والفاعلون المدنيون والهيئات المختصة، في إطار احترام تام للمؤسسات والقوانين المنظمة للشأن الديني.
وخلص الغزاوي تصوره بالتأكيد على أن الدفاع عن مدارس التحفيظ ومساجد القرآن هو، في جوهره، دفاع عن هوية وطنية عميقة الجذور، وعن نموذج ديني أثبت نجاعته في تجنيب البلاد مسارات الانقسام والصراع، معتبرا أن اللحظة تقتضي نقاشا هادئا ومسؤولا، يعالج الاختلالات أينما وُجدت، دون المساس بقداسة الفضاءات القرآنية ودون التفريط في الثوابت الدينية التي توحد المغاربة.

