تشهد ردهات عمالة إقليم شفشاون حالة من الغليان الصامت عقب صدور سلسلة قرارات، كان آخرها ما أوردته مصادر مطلعة لجريدة “طنجة بوست” حول إعفاء مدير الشؤون الداخلية بالعمالة من مهامه، وهذا القرار، الذي جاء في توقيت حساس، أثار جملة من الاستفهامات حول مسبباته الحقيقية؛ فبينما يرى البعض فيه إجراء إداريا قد يندرج ضمن ترتيبات البيت الداخلي، يطرح غياب التوضيح الرسمي فرضيات أخرى حول طبيعة الحيثيات التي دفعت بسلطة الوصاية لاتخاذ خطوة بهذا الحجم.
التحركات الأخيرة لم تتوقف عند هرم الإدارة، بل سبقتها عمليات عزل واسعة طالت قاعدة الهرم الإداري، فقد تناقلت منابر إعلامية وطنية، من بينها موقع “آشكاين”، أنباء عن توقيف ما يزيد عن 15 إلى 20 عون سلطة برتبة “مقدم”، في خطوة لم تعهدها المنطقة بهذا الزخم.
وبينما تكتفي الرواية الإدارية غير الرسمية بالإشارة إلى “اختلالات مهنية”، تبرز تساؤلات ملحة عن طبيعة هذه الأخطاء التي استوجبت العزل الجماعي وفي ظرف وجيز، وما إذا كانت هذه الإجراءات مجرد “تصحيح للمسار” أم أنها تعكس أزمة تدبيرية أعمق بين المسؤولين المباشرين ومرؤوسيهم.
في خضم هذا المشهد، برزت معطيات تتحدث عن دخول وزارة الداخلية على الخط عبر إيفاد لجنة تفتيش مركزية للوقوف على ملابسات هذه القرارات.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن هذا التحرك جاء استجابة لتظلمات رفعها الأعوان المعزولون، والذين لم يتردد بعضهم في اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في قرارات العزل، هؤلاء الأعوان يضعون علامات استفهام كبرى حول قانونية الإجراءات المتخذة ضدهم، مشيرين في ادعاءاتهم إلى وجود “شطط” أو “حسابات ضيقة” تزامنت مع فترة الانتقال الإداري بالإقليم، وهو ما تضعه لجنة التفتيش حالياً تحت مجهر التدقيق لفرز المعطيات الذاتية عن المبررات المهنية الموضوعية.
التوقيت الزمني لهذه التطورات يكتسي أهمية بالغة، حيث تأتي في أعقاب تسلم العامل الجديد زكرياء حشلاف مهامه خلفا لمحمد العلمي ودان، وهذا التحول في القيادة الإقليمية يطرح تساؤلا جوهريا: هل ما يشهده الإقليم هو عملية “تطهير إداري” تهدف إلى ضخ دماء جديدة وقطع الصلة مع ممارسات سابقة؟ أم أن الأمر لا يتعدى كونه تداعيات لأسلوب تدبيري معين انتهجه المسؤول عن الشؤون الداخلية وأثار حفيظة المنتخبين وأعوان السلطة على حد سواء؟ النبرة الاحتجاجية لم تقتصر على الأعوان، بل امتدت لتشمل غضباً صامتا في صفوف بعض المنتخبين، مما يوحي بوجود تصدعات في العلاقة بين الإدارة ومحيطها السياسي والميداني.
وعلى الجانب الآخر، وفي ظل شح المعلومة الرسمية، تبرز الرواية الإدارية المدافعة عن هذه القرارات كـ “مساطر اعتيادية” تهدف لضبط المرفق العام.
فالمدافعون عن هذه الإجراءات يرون أن صرامة الإدارة في التعامل مع “الاختلالات” هي الضامن الوحيد لاستعادة هيبة الدولة ونجاعة التدبير الترابي في إقليم يتسم بخصوصيات جغرافية واجتماعية معقدة، لكن هذه الرواية تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع “لغة الأرقام” وعدد المعزولين، وهو ما يجعل المبررات الإدارية التقليدية تحت ضغط التشكيك في انتظار ما ستسفر عنه نتائج تحقيقات المفتشية العامة لوزارة الداخلية.

