تتراءى جماعة المنصورة التابعة لإقليم شفشاون للزائر لأول وهلة كلوحة طبيعية فاتنة، لكن التوغل في دواويرها ومداشرها سرعان ما يزيح الستار عن واقع مرير يئن تحت وطأة التهميش الجغرافي والإقصاء التنموي.
هنا، في عمق المنصورة، يواجه آلاف المواطنين يوميا فصولا من العزلة الخانقة التي تفرضها شبكة طرقية مهترئة، سواء منها المسالك الرئيسية أو تلك التي تفضي إلى المداشر.
هذا الوضع الكارثي للبنية التحتية لم يتسبب فقط في شل الحركة الاقتصادية وجعلها في حالة ركود تام، بل تحول إلى جدار سميك يقطع أوصال الجماعة عن محيطها، ويحرم الساكنة من أبسط شروط العيش الكريم، وسط تساؤلات حارقة عن جدوى شعارات “فك العزلة” التي ترفعها الدوائر الرسمية.
ولا يتوقف نزيف المعاناة عند حدود الطرقات الوعرة، بل يمتد ليشمل قطاع الصحة الذي يعيش وضعا يوصف بـ”المحتضر” نتيجة ضعف العرض الصحي وغياب الخدمات الطبية الأساسية، مما يضطر المرضى والحوامل إلى قطع مسافات طوال في ظروف تنقل قاسية بحثا عن العلاج.
وفي هذا الصدد، يصرح المواطن (أحمد. ب)، أحد سكان المنصورة العليا، “حنا هنا تاواحد مكيفكر فينا؛ فالمريض بيننا يواجه خطر الموت قبل ما يوصل لأقرب مركز استشفائي بسبب غياب التجهيزات والأطر الطبية من جهة، والوضعية الكارثية للمسالك من جهة أخرى، العزلة ماشي غا طريق مقطوع، بالنسبة ليا راها إقصاء ممنهج لحقنا في الحياة والصحة”.
وعلى الصعيد التعليمي، يرخي شبح الهدر المدرسي بظلاله الثقيلة على مستقبل الناشئة مع بداية كل موسم دراسي جديد، حيث يتخبط هذا القطاع الحيوي في مشاكل هيكلية كبرى.
ويأتي في مقدمة هذه الأزمات ملف النقل المدرسي الذي بات يؤرق الأسر ويعوق التحاق التلاميذ بحجرات الدراسة، ناهيك عن الوضعية الكارثية التي آلت إليها “دار الطالبة”، والتي تحولت من فضاء للدعم والتمكين إلى نموذج حي لإهمال المؤسسات الاجتماعية.
وهذا التعثر التعليمي يضعف من فرص أبناء المنطقة في الارتقاء الاجتماعي، ويحرم عشرات الفتيات القرويات من متابعة تحصيلهن العلمي بسبب غياب بيئة استيعابية آمنة ومحفزة.
وفي مقابل ذلك، يوجه سكان جماعة المنصورة أصابع الاتهام مباشرة إلى المجلس الجماعي الحالي، معتبرين إياه هيئة معزولة عن همومهم الحقيقية وغائبة عن التفاعل مع تطلعاتهم.
كما يرى المواطنون بغضب شديد أن الولاية الانتدابية التي قضاها المجلس في التسيير لم تسفر عن أي إنجاز يُذكر على أرض الواقع، بل كرست الركود وساهمت في تعميق الفوارق التنموية.
وفي هذا السياق، يؤكد (كريم) في تصريحه قائل: “المجلس الجماعي يعيش في برج عاجي بعيدا عن نبض الشارع، لقد مرت سنوات من التسيير دون أن نلمس مشروعا تنمويا واحدا يغير ملامح الجماعة أو يرفع التهميش عن دواويرنا”.
وأمام هذا النقص الحاد في التنمية وغياب البنية التحتية وضعف تفاعل الجهات المسؤولة، يجد المواطن في جماعة المنصورة نفسه في مواجهة مفتوحة مع قساوة الطبيعة وتقاعس المجالس النتخبة.

