بين طرقات إقليم شفشاون المتعرجة، وبين الجبال التي يلفها الضباب شتاءً وتغمرها الشمس صيفا، ما زالت ميرسيديس 207 تُحافظ على مكانتها كسيارة مكافحة، صلبة، وصبورة، فهي ليست مجرد مركبة للنقل، بل جزء من ذاكرة جماعية نسجت خيوطها على مدى عقود، حيث حملت الناس، وحملت معهم أفراحهم وأحلامهم وأثقال حياتهم اليومية.
ومن باب تازة إلى بني رزين، ومن سوق الحد إلى المنصور وفيفي، كانت هذه السيارة رفيقة الرحلة نحو الأسواق الأسبوعية، تنقل الخضر والفواكه، الماشية والبضائع، وفي مقاعدها الخلفية يجلس الركاب متلاصقين، يتبادلون الحديث والضحك، أو يكتفون بالنظر عبر النوافذ نحو الجبال التي يعرفون كل صخرة فيها.
لم تكن الطرق سهلة، ولم تكن الظروف رحيمة، لكن الـ”207″ لم تخذل أصحابها يوما، صبرت على الحفر والانحدارات، تحملت الأمطار الغزيرة، وتسلقت المرتفعات التي تهابها السيارات الحديثة، وكان السائقون يعرفون أن المفتاح لا يشغل محركا فقط، بل يوقظ آلة وفية، صارت جزءا من حياتهم.
اليوم، ورغم تغير الزمن ودخول وسائل نقل أكثر حداثة، ما زالت بعض هذه السيارات تجوب طرق شفشاون، تخدم أبناء الجبل بنفس العزيمة، وكأنها ترفض التقاعد، فلكل واحد في الإقليم مع هذه السيارة قصة، وذكريات من زمن كانت فيه الرحلة ليست مجرد انتقال من مكان لآخر، بل مناسبة للتواصل، للتعارف، وللشعور بالانتماء.
ميرسيديس 207 ليست فقط حديدا ومحركا، بل حكاية وفاء بين الإنسان والآلة، حكاية صمود في وجه الزمن، وقطعة من تاريخ شفشاون تستحق أن تُروى للأجيال القادمة.

