تتوقف عقارب الساعة عن الدوران المعتاد بمجرد أن تطأ عجلات السيارة المنعرجات الوعرة الرابطة بين باب تازة وبني أحمد الشرقية، حيث يتحول المسار الطرقي إلى حلبة للصراع مع الحفر والمنحدرات المتآكلة التي لم تعرف الإصلاح منذ عقود طويلة، ويجد المسافر نفسه أمام مفارقة زمنية صادمة، إذ يقطع المسافة من مدينة تطوان إلى باب تازة في أقل من ساعة واحدة بفضل الطريق الوطنية، بينما يستهلك الوصول من باب تازة إلى قلب بني أحمد أربع ساعات كاملة من العناء الجسدي والنفسي، رغم أن المسافة الجغرافية لا تبرر هذا الهدر الزمني القاتل.
ويروي “عمي الطاهر”، وهو رجل سبعيني من سكان الدواوير المجاورة، كيف أصبحت الطريق جدارا عازلا يحرم المرضى من حقهم في العلاج السريع، ويستذكر بمرارة تلك الليلة التي اضطر فيها لنقل حفيده المصاب بحمى شديدة على متن سيارة متهالكة، حيث كانت السيارة تترنح بين الحفر كأنها سفينة في بحر هائج، مما جعل الرحلة تبدو دهرا لا ينتهي، ويؤكد بلهجة يملؤها القهر أن الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب أصبح ضربا من الخيال، لأن الطريق تفرض إيقاعها البطيء على الجميع دون استثناء.
وعلى جنبات هذا المسار المتهالك، تصطف سيارات النقل المزدوج التي تآكلت هياكلها بفعل “التقهقر” المستمر للبنية التحتية، ويحكي “المصطفى”، وهو سائق مهني قضى خمسة عشر عاما في هذا الخط، عن المعاناة اليومية التي يكابدها مع الأعطاب الميكانيكية المتكررة، ويشير بيده إلى إطارات حافلته الصغيرة التي لا تصمد لأكثر من شهر واحد بسبب حدة الأحجار والمسالك غير المستوية، معتبرا أن مهنة السياقة هنا ليست لكسب الرزق بقدر ما هي مغامرة غير محسوبة العواقب تستهلك الأعصاب والجهد والمال في إصلاحات لا تتوقف.
وتتفاقم الأزمة حين يقصد السكان “سوق السبت” الأسبوعي، حيث يتحول نقل البضائع والمنتجات الفلاحية إلى كابوس حقيقي يهدد جودة السلع وقدرة الفلاح البسيط على المنافسة، ويقول “أحمد”، وهو شاب طموح من بني أحمد الشرقية، إن المنتجات تصل إلى وجهتها متضررة بسبب الاهتزازات القوية التي تتعرض لها الشاحنات طوال الساعات الأربع، ويضيف بأسف أن العزلة التي تفرضها هذه الطريق قتلت روح المبادرة لدى الشباب، وجعلت التفكير في أي مشروع تنموي يصطدم بصخرة المسالك المقطوعة والمنسية.
وتظهر صور القسوة الإنسانية بوضوح في ملامح النساء اللواتي يقطعن المسافات مشيا على الأقدام لتفادي غلاء تسعيرة النقل التي يفرضها السائقون نتيجة وعورة المسلك، وتتحدث “فاطمة” عن معاناتها الأسبوعية مع الطريق للوصول إلى أقرب نقطة تزويد بالمواد الأساسية، وتصف كيف تتحول الطريق في فصل الشتاء إلى برك مائية وأوحال يصعب معها حتى التحرك مشيا، مما يجعل القرى والمداشر تعيش في سجن مفتوح يفتقر لأدنى شروط الكرامة الإنسانية التي يوفرها الطريق المعبد.
والتباين الصارخ بين سلاسة الطريق القادمة من تطوان ووعورة المسلك نحو بني أحمد يعكس خللا تنمويا واضحا يشتكي منه الجميع، ويؤكد الفاعلون الجمعويون في المنطقة أن هذا “التقهقر” الطرقي ساهم في الهجرة القروية الواسعة نحو المدن المجاورة بحثا عن حياة أسهل، ويشيرون إلى أن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني استمرار نزيف الوقت والجهد، وضياع فرص اقتصادية كان من الممكن أن تحول المنطقة إلى قطب سياحي وفلاحي بفضل مؤهلاتها الطبيعية لولا عائق المسالك الخطيرة.
ويعبر السائقون والركاب عن سخطهم العارم من الوعود التي تتبخر مع كل موسم انتخابي دون أثر ملموس على أرض الواقع، ويحكي “محمد”، وهو طالب يتابع دراسته بتطوان، ويصف تلك الساعات الأربع التي يقضيها وسط الغبار والاهتزازات بأنها استنزاف لطاقته الذهنية، معتبرا أن الطريق هي الشريان الذي يغذي الحياة، وإذا ما فسد هذا الشريان أصيبت المنطقة كلها بالشلل التام.
وتحكي القصص المتواترة عن حالات ولادة تمت داخل السيارات وسط الطريق بسبب تعذر الوصول السريع إلى قاعات التوليد، وهي مآسٍ إنسانية تتكرر باستمرار في غياب حل جذري لهذه المعضلة التي عمرت طويلا، وتظل هذه الوقائع شهادة حية على حجم التهميش الذي يطال هذه الرقعة الجغرافية، حيث يصبح الحق في التنقل الآمن مطلبا عزيزا يستلزم سنوات من الانتظار والصبر المرير وسط منعرجات لا ترحم الضعفاء ولا تبالي بصرخات الألم.
وتؤثر هذه الوضعية الكارثية على المنظومة التعليمية أيضا، إذ يجد المعلمون والأساتذة صعوبة بالغة في الالتحاق بمقرات عملهم بشكل منتظم، حيث يؤدي هذا التأخر القسري الناتج عن سوء الطريق إلى هدر الزمن المدرسى للأطفال، ويخلق فوارق تعليمية كبيرة بينهم وبين أقرانهم في المناطق المرتبطة بمسالك جيدة، مما يكرس العزلة المعرفية بجانب العزلة الجغرافية، ويجعل من بني أحمد الشرقية منطقة خارج حسابات الزمن الحديث الذي يتسم بالسرعة والفعالية.
ويقف سكان الدواوير اليوم بانتظار التفاتة حقيقية تنهي معاناتهم مع هذا المسار الذي يطلقون عليه “طريق العذاب”، ويأملون أن تتحرك الآليات لرد الاعتبار لهذه المنطقة التي قدمت الكثير ولم تجد في المقابل سوى النسيان، وتظل الآمال معلقة على مشروع هيكلي يربط باب تازة ببني أحمد الشرقية بمواصفات تقنية حديثة، تعيد الأمل للمواطنين وتسمح لهم بالتواصل مع العالم الخارجي دون خوف من عطب سيارة أو ضياع عمر في رحلة لا تتجاوز بضعة كيلومترات على الخريطة.

