رغم مكانتها الرمزية وسحرها الجمالي الذي جعلها قبلة للزوار من مختلف أنحاء العالم، لا تزال مدينة شفشاون تفتقر إلى مؤسسات ثقافية وفنية تليق بتاريخها وهويتها، فهذه المدينة التي تُعرف بأزقتها الزرقاء وموروثها الأندلسي العريق، تعاني فراغا واضحا في البنية الثقافية، خاصة في ما يتعلق بوجود مسرح حقيقي ومركب ثقافي متكامل يُتيح فضاء للإبداع والعروض الفنية، ويُسهم في تعزيز المشهد الثقافي المحلي.
وخلال أشغال دورة مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، عبّر رئيس جماعة شفشاون محمد السفياني عن أسفه لغياب فضاء مسرحي يليق بالمدينة، مؤكدا أن الوقت قد حان لتدارك هذا النقص البنيوي الذي يحدّ من إشعاع المدينة ثقافيا وفنيا، موضحا أن إنشاء مسرح ومركب ثقافي متكامل بات ضرورة ملحة، ليس فقط لاحتضان العروض الفنية والمهرجانات، بل أيضا لتشجيع الشباب على الإبداع والانخراط في الفعل الثقافي.
ويرى متتبعون للشأن المحلي في تصريحات متفرقة لجريدة “شاوني” أن الاستثمار في الثقافة لا يقل أهمية عن الاستثمار في السياحة، بل إنهما وجهان لعملة واحدة، لأن المدن التي تمتلك حياة ثقافية نابضة، تجذب السياح الباحثين عن التجارب الأصيلة والأنشطة الفنية، وليس فقط عن الجمال الطبيعي، ووجود فرقة مسرحية احترافية بفضاء مجهز للعروض، وتنظيم ورشات تكوينية في فنون المسرح والموسيقى والرقص، كفيل بأن يمنح للمدينة هوية ثقافية متميزة تضيف إلى رصيدها السياحي بعدا إنسانيا وروحيا جديدا.
كما يقترح فاعلون ثقافيون أن يتم إدراج مشروع المسرح والمركب الثقافي ضمن برامج التنمية الجهوية، بشراكة بين وزارة الثقافة ومجلس الجهة والجماعة الترابية، مع إمكانية فتح المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة في التمويل والتسيير وفق نموذج حديث يضمن الاستدامة والتنوع في العروض.
وفي السياق نفسه، يؤكد مهتمون بالشأن الفني والثقافي أن الاستثمار في البنية الثقافية لشفشاون سيُعيد الاعتبار للفنانين المحليين الذين يفتقرون لفضاءات عرض وتكوين، كما سيساهم في خلق دينامية اقتصادية جديدة عبر تنظيم مهرجانات وفعاليات مستمرة طيلة السنة، مما يعزز الإقبال السياحي ويُثري الحياة الاجتماعية للمدينة.
وتظل شفشاون، المدينة التي ألهمت الرسامين والشعراء والمصورين حول العالم، تستحق أن تمتلك مسرحا ومركبا ثقافيا يليق بمكانتها الجمالية والرمزية، فالعديد من الأصوات تؤكد أن الثقافة ليست ترفا، بل هي ركيزة من ركائز التنمية المستدامة، ومن دونها سيبقى وجه المدينة جميلا من الخارج فقط، لكنه يفتقر إلى نبض الإبداع في الداخل.

