بقلم عبد الغفور تزروث
يطيرُ الخبرُ الصادقُ في الآفاقِ شامخاً لا تلويه العواصفُ العابرةُ ولا تنالُ من هيبتِه محاولاتُ التشكيكِ البائسةِ، وتظلُّ الصحافةُ الحقيقيةُ مرآةً ناصعةً تعكسُ الواقعَ كما هو دون زيادةٍ أو نقصانٍ بعيداً عن أهواءِ النفوسِ وضغوطِ المصالحِ الضيقةِ، والالتزام بالحيادِ المطلقِ ليس مجردَ شعارٍ نرفعه في المناسباتِ بل هو عقيدةٌ مهنيةٌ راسخةٌ وبوصلةٌ توجّهُ قلمَنا في جلبابِ الحقيقةِ، نحن لا ننشرُ لكي نرضيَ جهةً على حسابِ أخرى ولا نختارُ ما يوافقُ قناعاتِنا الشخصيةَ لكي نعرضَه على القارئِ بل نضعُ بين يديهِ المعلومةَ المجردةَ والخبرَ اليقينَ بكلِّ تجردٍ ومسؤوليةٍ، هكذا نصنعُ الفارقَ وهكذا بنينا جسورَ الثقةِ مع جمهورِنا المثقفِ الذي يدركُ جيداً قيمةَ الكلمةِ الصادقةِ ويميزُ بين الغثِ والسمينِ.
والذين يسبحونَ في الماءِ العكرِ ويحاولونَ جاهدينَ تصيدَ الهفواتِ واختلاقَ معاركٍ وهميةٍ لا وجودَ لها في مفكرتنا المهنيةِ يصطدمونَ دائماً بجدارِ النزاهةِ الصلبِ، هؤلاءِ الواهمونَ يعتقدونَ أنَّ العملَ الصحفيَّ يخضعُ للمساوماتِ أو الحساباتِ الضيقةِ أو التلعثمِ عند مواجهةِ الحقائقِ، هم يجهلونَ أنَّ المؤسسةَ الإعلاميةَ الرصينةَ لا تلتفتُ إلى الخلفِ ولا ترهنُ مواقفَها برغباتِ العابرينَ فمبدأُ الحيادِ لدينا أسمى من أيِّ اعتبارٍ، من يعتقدُ أنَّ بإمكانهِ توجيهَ دفةِ النشرِ وفقَ بوصلةِ مصالحهِ الخاصةِ أو عبرَ ممارساتِ التشويهِ الممنهجةِ يجدُ نفسهُ في عزلةٍ تامةٍ أمامَ قارئٍ واعيٍّ لا تنطلي عليهِ ألاعيبُ التضليلِ.
والدرسُ البليغُ الذي يجبُ أن يستوعبهُ المشككونَ اليومَ هو أنَّ مهنيةَ الجريدةِ لا تُباعُ ولا تُشترى في أسواقِ المزايداتِ السياسيةِ أو الشخصيةِ، إنَّ نشرَ ما يهمُ القارئَ ويخدمُ المصلحةَ العامةَ يظلُ هو الهدفَ الأسمى والوحيدَ الذي نتحركُ من أجلهِ حتى وإن كانَ هذا النشرُ يخالفُ التوجهاتِ السائدةَ أو يزعجُ بعضَ الجهاتِ، السيادةُ هنا للخبرِ الصحيحِ والموثقِ وللكلمةِ الحرةِ التي لا تقبلُ التراجعَ أو الخنوعَ، ندركُ تماماً حجمَ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِنا كمنبرٍ إعلاميٍّ ذي صيتٍ عالٍ وكبيرٍ ولذلك لا نقبلُ بالحلولِ الوسطى ولا نرضى بتقديمِ مادةٍ استهلاكيةٍ مبتذلةٍ تنافي التميزَ والريادةَ.
والمستقبل المهني يُكتبُ بأقلامٍ ثابتةٍ لا تهتزُ وأفكارٍ نيرةٍ لا تنحني أمامَ زوابعِ المنصاتِ الرقميةِ أو حملاتِ التحريضِ الجوفاءِ، سنستمرُ في تقديمِ الرسالةِ الإعلاميةِ الرفيعةِ ذاتِ الجودةِ العاليةِ التي تليقُ بمستوى تطلعاتِ جمهورِنا النخبيِّ دون تقصيرٍ أو هفواتٍ تذكرُ، الرهانُ الحقيقيُّ كانَ وسيبقى على وعيِ المتلقي وقدرتهِ العاليةِ على الفرزِ والتحليلِ والتمييزِ بين العملِ الميدانيِّ المحترفِ وبينَ الضجيجِ المفتعلِ، نحنُ هنا لنمارسَ الصحافةَ بمعناها الحقيقيِّ والنبيلِ ولن نكونَ يوماً طرفاً في حساباتٍ جانبيةٍ تفقدُنا مصداقيتَنا التي هي رأسُ مالِنا الحقيقيُّ.

